في الولايات المتحدة، اختارت الدولة أن تبدأ الاستثمار في المواطن قبل أن يفتح عينيه على العالم. كل طفل يولد بين 2025 و2028 يُمنح حساباً استثمارياً حكومياً، تُودَع فيه ألف دولار كمنحة ميلاد، ثم يبقى مفتوحاً لإسهامات سنوية قد تصل إلى خمسة آلاف دولار من الأهل والأقارب.
الادخار ينمو بهدوء، والطفل يكبر، ليصل في الثامنة عشرة وقد أصبح يملك رأسمالاً صغيراً يساعده على التعليم أو السكن أو إطلاق مشروعه الأول.
هي فلسفة بسيطة: المستقبل يُبنى مبكراً، ولا يُترك للمصادفة.
هذا النموذج لا يرتبط فقط بالرفاه الأميركي، بل برؤية سياسية تعتبر أن الدولة مسؤولة عن تضييق الفوارق قبل أن تتجذر، وأن المواطنة تبدأ من الطفولة لا من أبواب سوق الشغل. وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التأمل: كيف تكون دول منشغلة بحماية أطفالها من هشاشة محتملة بعد عشرين سنة، بينما دول أخرى ما تزال عاجزة عن حماية حاضر أطفالها اليوم؟
و لنقترب من الصورة أكثر… لنتوقف قليلاً عند المغرب.
لا أتحدث عن «مغربهم»، بل عن مغربنا الشعبي الذي نعيشه في الأحياء الاقتصادية والشعبية والعشوائية؛ مغرب يرى فيه الطفل أن الطريق إلى الغد ليست دائماً سالكة. وفي الجهة الأخرى من الصورة، مغرب آخر يولد فيه الطفل وفي فمه ملعقة من ذهب، فتتباعد البدايات قبل أن تتباعد المصائر.
صحيح أن المغرب يخوض أوراشاً واسعة في الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة، لكنه ما زال يبحث عن أثر محسوس داخل بيوت الأسر. فالطفل المغربي ليس بحاجة إلى رصيد استثماري بقدر حاجته إلى الأساسيات:
عيش كريم، تغذية متوازنة، مدرسة تمنحه فرصة عادلة، مستشفى لا يمتد فيه الانتظار أطول من طفولته، نقل عمومي يحفظ سلامته، وفضاءات يشعر فيها بأنه ابن هذا الوطن لا زائراً عابراً.
هذه ليست كماليات، بل شروط لتكوين «الرأسمال البشري» الذي تراهن عليه الدولة نفسها.
ومن هنا يبرز السؤال المشروع: لماذا لا نمنح أطفالنا انطلاقة عادلة تقيهم آثار الفقر الجيلي وتقلّل أثر الوضع العائلي على مستقبلهم؟ الدول التي تسير بهذا الاتجاه لا تعالج مشاكل اليوم فقط، بل تقطع الطريق على مشاكل العقود المقبلة.
وعند هذه النقطة تحديداً يمكن الانتقال إلى ما هو أهم: مغرب اليوم ليس مغرب الأمس، وهو أمام فرصة تاريخية لتحويل ورش الحماية الاجتماعية من نظام للدعم إلى نظام لبناء الإنسان. لسنا مطالبين بتبني النموذج الأميركي حرفياً، لكن يمكن ابتكار آليات مغربية خالصة—كحساب اجتماعي للطفولة، أو صندوق للتعليم المبكر، أو برامج ادخار موجهة للأسر المتوسطة—تضمن ألا يبدأ الطفل المغربي سباق الحياة متأخراً.
في النهاية، الفارق بين الدول لا تصنعه الهبات، بل الرؤية:
هل نرى في كل مولود مشروع مواطن كامل… أم مجرد رقم جديد في سجل الحالة المدنية؟
هذا هو السؤال الحقيقي حين نقول:
وماذا عن المغرب؟








تعليقات
0