الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية:من المؤتمر إلى المجلس الوطني،ترجمة الشرعية إلى فاعلية تنظيمية ونجاعة سياسية

rami السبت 13 ديسمبر 2025 - 17:37 l عدد الزيارات : 56556

جمال العشيري

ثمة لحظات في تاريخ الأحزاب السياسية تتجاوز فيها الأحداث طابعها الإجرائي لتغدو علامات فارقة في مسارها الاستراتيجي ، وحين افتتح الأستاذ إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، اليوم 13 دجنبر الجاري أشغال الدورة الأولى للمجلس الوطني، لم يكن أبدا يمارس فعلاً تنظيمياً روتينياً بقدر ما كان يرسم معالم نسق سياسي متكامل يستند إلى فهم عميق للحظة التاريخية التي يجتازها الحزب والبلاد معاً ، ففي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه المصالح وتتشابك المعادلات، يغدو الرهان على البنية المؤسساتية المتينة ضرورة استراتيجية لا ترفاً تنظيمياً.

إن القراءة المتأنية لمضامين هذا الحدث تكشف عن أبعاد تتجاوز ظاهر الأمر ، اذ ان التأكيد على الالتزام بمقررات المؤتمر الوطني الثاني عشر ومضامين النظامين الأساسي والداخلي ليس مجرد تذكير بالقواعد الإجرائية، بل هو تأسيس لمبدأ المشروعية المؤسساتية كركيزة للفعل السياسي ، في مشهد تطغى عليه الارتجالية والانتهازية السياسية، يختار الاتحاد الاشتراكي طريق المأسسة الصارمة، مدركاً أن القوة الحقيقية للحزب لا تكمن في الشعارات البراقة ولا في المناورات التكتيكية العابرة، بل في متانة البنية التنظيمية وقدرتها على الصمود في مواجهة العواصف السياسية المتتالية ، ويتجلى البعد الاستراتيجي لهذا التوجه في فهم عميق لطبيعة التحولات التي يشهدها المشهد الحزبي المغربي ، فالأحزاب التقليدية تواجه اليوم تحديات وجودية غير مسبوقة، من تآكل القاعدة الشعبية إلى تراجع الثقة في الخطاب الحزبي التقليدي، مروراً بصعود موجات شعبوية تراهن على الوعود السريعة والحلول السحرية ، في مواجهة هذا الواقع المعقد، يدرك الاتحاد الاشتراكي أن الاستجابة الفعالة لا تكون بمحاكاة الخصوم في أساليبهم، بل بالعودة إلى الجذور المؤسساتية وتعميق الممارسة الديمقراطية الداخلية وتوسيع دوائر المشاركة في صنع القرار الحزبي.

وحين أشاد الكاتب الأول بالدكتور الحبيب المالكي، الرئيس السابق للمجلس الوطني، واصفاً إياه بنموذج المسؤولية الوطنية والحكمة السياسية، لم يكن ذلك مجرد مجاملة بروتوكولية أو وفاء شخصياً لرمز من رموز الحزب. بل كانت تلك إشارة دالة على منهجية في التعامل مع التراكم التاريخي للحزب، منهجية تقوم على الاستثمار في الإرث الرمزي والخبرة المؤسساتية المتراكمة دون السقوط في فخ التقديس الأعمى للماضي أو الاستغراق في الحنين. إنها معادلة صعبة تقتضي القدرة على الموازنة بين احترام التجربة التاريخية والانفتاح على التجديد، بين الوفاء للثوابت والمرونة في التكتيك، بين الحفاظ على الهوية الإيديولوجية والاستجابة لتحديات الواقع المتغير.
في هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى تنويع الخبرات والكفاءات داخل مختلف اللجان والهيئات الوطنية دلالة استراتيجية بالغة الأهمية . فالعمل السياسي المعاصر لم يعد يقتصر على الخطابة الحماسية وحشد الجماهير في المناسبات الانتخابية، بل أصبح يتطلب كفاءات متخصصة قادرة على معالجة ملفات شديدة التعقيد، من الاقتصاد الرقمي إلى التحولات المناخية، ومن إشكاليات العدالة الاجتماعية إلى تحديات السيادة الوطنية في عالم العولمة . هذا الوعي بضرورة التخصص والكفاءة التقنية إلى جانب الوعي السياسي يعكس نضجاً في فهم متطلبات المرحلة، ويؤسس لحزب قادر على أن يكون شريكاً فاعلاً في رسم السياسات العمومية وليس مجرد مزايد على الخصوم أو متفرج على المشهد.

ولعل من أبرز ملامح هذا التوجه الاستراتيجي ذلك التأكيد الواضح على الاستقلالية والمصداقية كقيمتين محوريتين في المساهمة بالمشهد السياسي الوطني. ففي عصر التحالفات المرنة والمصالح المتقلبة، حيث تتشكل التكتلات السياسية وتتفكك بسرعة مذهلة وفق منطق المصلحة الآنية، يصبح التمسك بالاستقلالية موقفاً سياسياً جريئاً وخياراً استراتيجياً محفوفاً بالمخاطر. إنه رهان على أن المصداقية طويلة المدى أهم من المكاسب قصيرة الأجل، وأن الوضوح الإيديولوجي أثمن من الغموض التكتيكي، وأن الثبات على المبادئ أجدى من المرونة الانتهازية. هذا التموقع لا يعني الانغلاق أو العزلة، بل يعني امتلاك بوصلة واضحة تسمح بالتحرك في المشهد السياسي من موقع القوة لا الضعف، ومن منطلق الوضوح لا الضبابية.

إن التوقيت الذي اختير لعقد هذا المجلس الوطني يحمل في ذاته دلالات استراتيجية لا تخفى على المتابع الفطن. فبعد المؤتمر الوطني الثاني عشر الذي جدد الثقة في القيادة الحالية للحزب، يأتي هذا المجلس ليترجم تلك الثقة إلى برنامج عمل ملموس ومنظومة تنظيمية محكمة. إنه انتقال من لحظة التجديد الشرعي إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، من الشرعية الانتخابية إلى الفاعلية الميدانية. هذا التسلسل المنطقي والمنهجي يعكس تصوراً واضحاً لمراحل البناء السياسي، حيث لا يمكن القفز على المراحل التنظيمية بحجة الاستعجال السياسي، ولا يمكن الانكفاء على التنظيم الداخلي بمعزل عن الفعل السياسي الوطني.

في قراءة تحليلية للمؤشرات الدلالية التي تختزنها هذه الخطوة، نلاحظ أن الخطاب التنظيمي يحمل في طياته بعداً سياسياً واضحاً. فالحديث عن استكمال الهياكل ليس انشغالاً بيروقراطياً بالإجراءات، بل هو استعداد منظم لمعارك سياسية قادمة تتطلب جهازاً حزبياً متماسكاً وفاعلاً. والتأكيد على خدمة المواطنين ليس شعاراً دعائياً، بل هو إعلان صريح عن رفض الانعزال السياسي واختيار الانخراط العميق في قضايا الناس اليومية وهمومهم الحقيقية. والإشارة إلى المصداقية والاستقلالية ليست مجرد قيم أخلاقية مجردة، بل هي رد ضمني على من يشككون في قدرة الحزب على الحفاظ على هويته وسط الإغراءات السياسية ومنطق المساومات.

ما يميز هذه المرحلة من مسار الاتحاد الاشتراكي تحت القيادة الحالية هو تلك القدرة الفذة على إدارة التوازنات المعقدة. فمن جهة، يحافظ الحزب على إرثه التاريخي كحزب معارضة وطنية ساهم في بناء الدولة الوطنية وخاض معارك الديمقراطية والحريات، ومن جهة أخرى، ينفتح على أجيال جديدة وكفاءات متنوعة تحمل رؤى مختلفة وأساليب عمل جديدة. ومن زاوية ثالثة، يحافظ على أصوله الإيديولوجية الاشتراكية دون أن يتحول إلى متحف للأفكار الجامدة أو إلى حزب عقائدي منغلق على ذاته. ومن منظور رابع، يساهم في المشهد السياسي الوطني بفاعلية دون أن يفقد استقلاليته أو يذوب في التحالفات الظرفية. هذه القدرة على إمساك خيوط معادلات شديدة التعقيد هي ما يميز القيادة السياسية الحقيقة القائمة على المقاربة الاستراتيجية ، عن الإدارة الحزبية التكنوقراطية القائمة على الشعبوية والانتهازية .

إن ما يشهده اليوم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا بد وأنه يمثل محاولة طموحة وجريئة لإعادة اختراع الذات دون فقدان الجوهر، محاولة للتجديد في إطار الاستمرارية، ورهان على أن الاشتراكية المغربية لا تزال قادرة على الإجابة عن أسئلة العصر وعلى تقديم بدائل حقيقية للنموذج السائد ، إنها إذن خطوات تثبت أن حزب الوردة، رغم كل التحديات والصعوبات، لا يزال قادراً على الإزهار من جديد في تربة سياسية معقدة ومشهد تنافسي حاد. والأيام وحدها، بما تحمله من اختبارات وامتحانات، ستكون الحكم الفصل على نجاح هذه الاستراتيجية أو تعثرها ، لكن المؤكد أن الرهان على المأسسة والكفاءة والاستقلالية يبقى خياراً استراتيجياً سليماً في زمن الفوضى والارتجال والانتهازية السياسية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image