كل هذه الجثث والخسائر وهم يبررون… إن الواد زاغ عن مساره.
قالوها بثقة، وكأن واد الشعبة بآسفي استيقظ صباحًا وقرر التمرد على مساره. غيّر اتجاهه بدافع الملل، أو بدافع العناد، أو ربما بدافع سوء النية.
هكذا ببساطة: الواد هو الجاني…
لكن الواد، لو نطق، لضحك أولًا ثم لقال بعد الترحم على الضحايا، أين مساري أصلًا؟
هل المسار هو ما تركتموه لي قبل عقود، أم ما تبقى منه بعد الردم، والبناء، والتضييق، والالتفاف، وتحويل الضفاف إلى بقع إسمنتية؟ هل يزوغ الواد، أم يُزاغ به؟
الواد لا يغير مساره من تلقاء نفسه. الذي يغير المسارات هم البشر حين يقررون أن الخريطة أذكى من الطبيعة، وأن الإسمنت أقوى من الجغرافيا، وأن الوادي يمكن تدجينه بورقة ترخيص وتوقيع عابر أو تصميم تهيئة مشوه.
فحين تُبنى الأحياء في ممره، وتُخنق مجاريه، وتُقلَّص فتحاته، يصبح “الزيغ” توصيفًا مهذبًا لخطأ فادح .
لو نطق الواد لذكرهم بما كتبه الفقيه الكانوني العبدي مؤرخ آسفي عندما أشار إلى أن واد الشعبة أغرق المدينة سنة 1650 وسنة 1791 والناس نيام فدمر البيوت والمحلات.
لو نطق الواد لأخبرهم حين دمر سوق الفخار والمسجد والزاوية الناصرية سنة 1927 وخلف أكثر من 100 قتيل سنة 1927 ..
لو تحدث الواد لنبههم أنه منذ قرن ويزيد وأنتم تحتلون مجراه ومع ذالك هناك مدينة مبنية في طريقه من دون إحتياطات أو تدابير وقائية…
قالوا إن الواد زاغ عن مساره، ولم يتساءلوا عمن زاغ عن مسؤوليته.
لكنهم لم يقولوا من سمح، ومن صادق، ومن سكت، ومن اعتبر أن سنوات الجفاف شهادة حسن سلوك دائمة.
لم يتساءلوا من أهمل المجرى الاصطناعي الذي حصرتموني فيه حتى اصبح سدا يمنع انسيابي؟ من أغفل المدينة في النشرات الإنذارية حتى يأخد الناس حيطتهم؟
من استهان بأرواح الناس وكهم وجها لوجه أمام قوة اندفاعي؟ من أغلق منفذي إلى البحر وتركني محاصرا عابثا بالناس والممتلكات؟
لم يقولوا إن الواد عاد فقط إلى ذاكرته القديمة، إلى حقه الطبيعي، إلى الطريق التي مُسحت من الخرائط لكنها لم تُمسح من الأرض لم تمسح من ذاكرته.
في آسفي، لم يزغ الواد..
الذي زاغ هو التخطيط، وزاغت المراقبة، وزاغ الإحساس بالخطر.
ولو نطق الواد، لقال ما يقوله المطر دائمًا حين يُتَّهم ظلمًا:
أنا سلكت طريقي القديم … أنتم من نسي أين هو.
أنا عدت إلى مجراي الطبيعي








تعليقات
0