سجّلت ودائع الأسر لدى القطاع البنكي الوطني تطورًا ملحوظًا خلال السنة الجارية، لتبلغ 959,3 مليار درهم، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 6,6 في المئة على أساس سنوي، وفق معطيات حديثة تعكس دينامية الادخار الأسري في سياق اقتصادي يتسم بتقلبات داخلية وضغوط خارجية.
وتُظهر بنية هذه الودائع الدور المتزايد للجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي ساهمت بما مجموعه 219 مليار درهم، وهو ما يعادل أزيد من خُمس ودائع الأسر، في مؤشر واضح على استمرار تحويلات مغاربة العالم كدعامة رئيسية للتوازنات المالية والقدرة الادخارية للاقتصاد الوطني.
هذا الارتفاع يعكس، من جهة، استمرار ثقة الأسر في المنظومة البنكية كقناة آمنة لتوظيف المدخرات، رغم تراجع القدرة الشرائية لفئات واسعة وارتفاع تكاليف المعيشة. كما يُبرز، من جهة أخرى، ميلاً متزايدًا نحو التحوط المالي في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بتقلب الأسعار، وأسعار الفائدة، وتباطؤ بعض القطاعات المنتجة.
ويرى متتبعون أن هذا السلوك الادخاري لا يعكس بالضرورة تحسنًا عامًا في أوضاع الأسر، بقدر ما يعكس نزعة احترازية، حيث تلجأ الأسر، خصوصًا المتوسطة، إلى تجميد جزء من مواردها تحسبًا لمخاطر مستقبلية، بدل توجيهها نحو الاستهلاك أو الاستثمار.
في المقابل، تواصل تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج لعب دور محوري في دعم ودائع الأسر، رغم التحديات الاقتصادية التي تواجه عدداً من بلدان الاستقبال. فمستوى 219 مليار درهم يعكس صمود هذه التحويلات، ويؤكد ارتباط الجالية بالاقتصاد الوطني، سواء من خلال الادخار البنكي أو تمويل نفقات العائلات.
غير أن هذا المعطى الإيجابي يطرح، في الآن نفسه، تساؤلات حول مدى توظيف هذه الموارد في الاستثمار المنتج، بدل بقائها حبيسة الحسابات البنكية، خاصة في ظل الحاجة إلى تعبئة الادخار الوطني لدعم النمو وخلق فرص الشغل.
ورغم أهمية ارتفاع ودائع الأسر في تعزيز السيولة البنكية واستقرار النظام المالي، فإن التحدي الحقيقي يظل في تحويل هذا الادخار إلى رافعة فعلية للاستثمار، خصوصًا لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة والمشاريع ذات القيمة المضافة.
وفي غياب قنوات جذابة وفعالة لتوجيه مدخرات الأسر نحو الاستثمار، يبقى هذا الارتفاع مؤشرًا إيجابيًا من حيث الاستقرار المالي، لكنه محدود الأثر اقتصاديًا إذا لم يُواكَب بسياسات تحفيزية توازن بين حماية الادخار وتشجيع توظيفه المنتج.








تعليقات
0