يصعب على أي مواطن يمرّ يوميًا من السوق، ويقف طويلًا أمام بائع الخضر، ويقلب الأثمنة في ذهنه قبل أن يقلبها في الميزان، أن يفهم هذا التناقض العجيب بين ما يُنشر رسميًا وما يُعاش فعليًا. تقول الأرقام إن الأسعار تراجعت، وتقول الحياة اليومية إن الجيب ما زال يئن، وإن “الانخفاض” لا يمرّ من هنا.
تعلن المندوبية السامية للتخطيط أن الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك انخفض بـ0,6 في المائة خلال نونبر، وأن المواد الغذائية تراجعت بـ1,3 في المائة. يقرأ المواطن الخبر، يعيده، ويتأمل معطياته… ثم يخرج إلى الدكان القريب، فلا يجد أثرًا لهذا التراجع. الفواكه التي قيل إنها انخفضت بـ6,4 في المائة ما زالت بعيدة عن متناول كثيرين، والزيوت والدهنيات التي “تراجعت” لا تزال تستهلك جزءًا كبيرًا من الميزانية، واللحوم التي يُقال إن ثمنها انخفض بـ1,9 في المائة ما زالت ضيفًا نادرًا على موائد واسعة من المغاربة.
الأرقام تقول شيئًا، والواقع يقول شيئًا آخر. ليس لأن الأرقام كاذبة، بل لأنها تعيش في عالم مختلف، عالم المتوسطات والمؤشرات، لا عالم الأسر التي تشتري بالكيلو والنصف، وبالدرهم المحسوب، وبقائمة تُحذف منها الأصناف واحدًا تلو الآخر.
المواطن لا يفهم لغة المؤشرات، ولا يعيش بمنطق المعدلات. هو لا يستهلك “متوسط الأسعار”، بل يشتري ما يحتاجه يومًا بيوم. وحين يُقال له إن الخضر ارتفعت بـ2,3 في المائة، وإن الحليب والبيض والجبن زادت بـ3 في المائة، فهو يفهم هذا جيدًا لأنه يلمسه مباشرة. هذه مواد يومية، أساسية، لا يمكن تأجيلها ولا تعويضها. المواطن لا يعيش على المؤشر العام، بل على ما يضعه في القفة، وحين ترتفع الأساسيات، يصبح أي حديث عن انخفاض شامل حديثًا ناقصًا، مهما بلغت دقته الإحصائية.
المسألة ليست في الأرقام، بل في الفجوة بينها وبين الإحساس الجماعي. حين يُقال للمواطن إن الأسعار تراجعت وهو لا يرى ذلك، يتولد شعور بالارتياب لا بالاطمئنان. شعور بأن الخطاب الاقتصادي يتحدث لغة لا تشبه لغة السوق، ولا تشبه لغة البيوت.
ربما نحتاج أقلّ إلى إعلان “الانخفاض”، وأكثر إلى تفسير لماذا لا يصل. لماذا يظل محصورًا في الجداول، ولا يعبر الطريق نحو المستهلك. لأن أخطر ما في الأرقام ليس أن ترتفع أو تنخفض، بل أن تفقد قدرتها على الإقناع.
هنا يولد الاستغراب الحقيقي: لا من الأرقام ذاتها، بل من المسافة التي تفصلها عن حياة الناس.








تعليقات
0