مراسلة خاصة
نظّم الاتحاد الإفريقي للصحفيين (FAJ)، بدعم من Mondiaal FNV، ورشة قارية حول تعزيز الانتقال العادل في إفريقيا، تحت شعار:
«تعزيز قدرات الصحفيين ونقاباتهم من أجل تنفيذ فعّال للانتقال العادل في إفريقيا»، وذلك خلال الفترة الممتدة من 18 إلى 20 دجنبر 2025 بالعاصمة الكينية نيروبي.
وشكّلت الورشة فضاءً مفتوحًا للنقاش العميق حول التحديات المناخية التي تواجه القارة الإفريقية، والدور المتنامي للصحافة والنقابات الصحفية في مواكبة التحولات البيئية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بمفهوم الانتقال العادل.
محمد الطالبي: العدالة المناخية معركة وجود وليست ملفًا تقنيًا
وخلال جلسة «الاتجاهات الإقليمية في العدالة المناخية والصحافة»، قدّم محمد الطالبي، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد الإفريقي للصحفيين، والعضو بالاتحاد الدولي للصحفيين، مداخلة مطوّلة شدّد فيها على أن العدالة المناخية لم تعد قضية بيئية تقنية محصورة في مؤتمرات النخب، بل تحولت إلى معركة وجود تمس الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

وأكد الطالبي أن القارة الإفريقية تعيش مفارقة صارخة، إذ تُعد من أقل المناطق مساهمة في الانبعاثات الكربونية عالميًا، لكنها في المقابل تتحمل العبء الأكبر لتداعيات التغير المناخي، من جفاف متكرر، وفيضانات مدمّرة، وتراجع خطير في التنوع البيولوجي، واستنزاف الموارد الطبيعية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وأوضح أن تدمير البيئة يعني بالضرورة تدمير شروط العيش الكريم، مبرزًا أن فقدان الماء الصالح للشرب، وتدهور الأراضي الزراعية، وتهديد الأمن الغذائي، ليست مجرد مؤشرات بيئية، بل أزمات إنسانية واجتماعية عميقة تدفع ثمنها الفئات الأكثر هشاشة.
وفي هذا السياق، توقف الطالبي مطولًا عند مفهوم العدالة المناخية، معتبرًا أنه لا يمكن فصله عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية، موضحًا أن الفلاحين الصغار، والصيادين التقليديين، والعمال، والنساء، والشباب، وسكان المناطق الهشة، هم أول من يتضرر من السياسات المناخية غير العادلة، رغم أنهم لم يساهموا في صناعة الأزمة.
وشدّد على أن الحديث عن الانتقال الطاقي أو السياسات الخضراء دون مراعاة البعد الاجتماعي وحقوق الشغل، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الظلم نفسه تحت مسميات جديدة، داعيًا إلى إدماج البعد النقابي والعمالي في كل السياسات المرتبطة بالمناخ.
الصحافة بين الحياد الزائف والمسؤولية الأخلاقية
وفي جزء محوري من مداخلته، شدّد محمد الطالبي على أن الصحافة لا يمكنها أن تدّعي الحياد أمام تدمير الحياة، معتبرًا أن الحياد في مثل هذه القضايا ليس موقفًا مهنيًا، بل تواطؤ صامت.
وأوضح أن الصمت الإعلامي أمام الجرائم البيئية، ونهب الأراضي، وتلويث المياه والهواء، يُحوّل الإعلام من سلطة رقابية إلى شاهد زور، في حين أن الصحافة الحقيقية، بحسب تعبيره، هي التي تختار الوقوف إلى جانب الإنسان والطبيعة.
وأشار إلى أن دور الصحفيين يتجاوز نقل الوقائع إلى تفكيك السياسات العمومية، ومساءلة الشركات الملوِّثة، وكشف شبكات المصالح التي تستفيد من تدمير البيئة، مع ربط ذلك بالآثار الاجتماعية المباشرة على العمال والمجتمعات المحلية.
كما دعا إلى تطوير صحافة استقصائية مناخية قادرة على تتبع المال العام، ورصد خروقات القوانين البيئية، وكشف التواطؤ بين رأس المال الفاسد وبعض مراكز القرار، مؤكدًا أن هذه المهمة تتطلب شجاعة مهنية وحماية قانونية للصحفيين.
منح صوت للطبيعة ولمن لا صوت لهم
وأكد الطالبي أن من أدوار الصحافة الأساسية اليوم منح صوت للطبيعة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها، وللمجتمعات المحلية المهمّشة التي تُقصى من النقاش العمومي حول السياسات المناخية.
واعتبر أن الإعلام مطالب بتجاوز الخطاب التقني الجاف، والاقتراب من قصص الناس اليومية، ونقل معاناتهم مع الجفاف والفيضانات وفقدان مصادر العيش، بما يحوّل الأرقام والإحصائيات إلى حكايات إنسانية قادرة على تحريك الرأي العام.
التعاون الإفريقي ومواجهة التضليل
وفي حديثه عن التحديات المهنية، توقف الطالبي عند نقص التكوين المتخصص في الصحافة المناخية، وصعوبة الولوج إلى المعطيات، إضافة إلى الضغوط السياسية والاقتصادية التي تواجه الصحفيين.
كما حذّر من تنامي التضليل والأخبار الزائفة في قضايا المناخ، والتي تُستعمل أحيانًا لتشويه الحقائق أو تبييض سياسات مدمّرة، داعيًا إلى تعزيز أخلاقيات المهنة، وآليات التحقق، والتعاون مع الخبراء المستقلين.
وفي هذا الإطار، شدّد على أهمية التعاون الإقليمي بين الصحفيين الأفارقة، وتبادل المعلومات والتجارب، وبناء شبكات عابرة للحدود، باعتبار أن الأزمة المناخية لا تعترف بالحدود الوطنية.
نحو صحافة إفريقية منخرطة في الانتقال العادل
وختم محمد الطالبي مداخلته بالتأكيد على أن الانتقال العادل لن يتحقق دون صحافة حرة، مستقلة، وملتزمة، قادرة على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى فعل، والفعل إلى تغيير فعلي يخدم الإنسان والبيئة في آن واحد.
واعتبر أن الدفاع عن البيئة هو في جوهره دفاع عن الحياة، وأن الصحافة الإفريقية مطالبة اليوم بأن تكون في الخط الأمامي لمعركة العدالة المناخية، لا كمراقب محايد، بل كفاعل أساسي في صناعة التحول.








تعليقات
0