البشير احشموض
في الآونة الأخيرة، كثر الضجيج حول “بيت الاتحاد”؛ ما بين تحليلات تتحدث عن نزيف تنظيمي وسخريات سياسية عابرة تحاول تبخيس طموح حزبنا المشروع. وأمام هذا الصخب الرقمي، أجدني مدفوعاً بصفتي مناضلاً عايش أدق تفاصيل مسارنا منذ المؤتمر الاستثنائي التاريخي لسنة 1975، وبحكم مسؤوليتي كمنتخب مهني خبر الميدان منذ 1993، أن أضع النقاط على الحروف بصدق ومسؤولية من منطلق التجربة والانتماء.
إن من يراهنون اليوم على رحيل أسماء أو تغيير وجهات كدليل على ضعف الحزب، يجهلون طبيعة الجينات الاتحادية؛ فقد عاصرنا انشقاقات كبرى وهزات تاريخية، وظل الاتحاد هو “الأصل” والمدرسة التي لا تذبل جذورها. وهنا وجب التذكير بوضوح: إن من ترك السفينة وأعطاها ظهره لتواجه الأمواج بمفردها، لا يحق له — لا أدبياً ولا قانونياً — أن يدعي الانتماء إليها أو يتحدث في شؤونها؛ فهو ببساطة غادرها، وكما قال الحكيم المجاهد عبد الرحمن اليوسفي ذات يوم لمن ضاق به مسارنا: “أرض الله واسعة”. فنحن ندرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن قوة الاتحاد لا تكمن في الحفاظ على المواقع بأي ثمن، بل في الوفاء للمنهجية الديمقراطية والمصداقية التي هي رأسمالنا الحقيقي أمام الشعب المغربي. ففي الوقت الذي انشغل فيه البعض بتتبع هذه التحولات، كان الاتحاد في جوهره ينكب على فتح أوراش الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي العميقة، مؤكداً أن معركتنا هي معركة تصورات ومشاريع وليست معركة صور لاستجداء “إعجابات” افتراضية.
إن تميزنا الحقيقي يكمن في قدرتنا الفريدة على الربط العضوي بين الاستراتيجية الوطنية الكبرى وبين التدبير اليومي للمواطنين. نحن لا نفصل بين الدفاع عن السيادة المائية والطاقية للمغرب، وبين المطالبة بخبز وكرامة المواطن البسيط؛ فكلاهما في “سلة واحدة” نضالية. نحن لا ندعي الكمال، بل كما قال شاعرنا عبد الرفيع جواهري ورددها رفاقنا الأوفياء: “بأخطائنا شرفاء”، لأننا نختار مواجهة الأعطاب من داخل المؤسسات لا من على شاطئ المزايدات.
وواهمٌ حقاً من يظن أن الاتحاد يُقاس فقط بنتائج الانتخابات التشريعية والجماعية الموسمية؛ فالأحزاب الكبيرة تُقاس بمدى صمود أفكارها وتجذرها في وعي المجتمع، لا بعدد مقاعد تتغير بتغير موازين لحظية. لقد اخترتُ دائماً قاعدة ذهبية: “الإصلاح من الداخل والوفاء في الخارج”. قد نختلف في المنهجية، لكننا نمارس هذا الحق بكل شجاعة داخل هياكل الحزب، لأن مصلحة السفينة فوق كل اعتبار. إن قوتنا اليوم تكمن في هذه الأوراش المفتوحة، حيث نبلور رؤية لمغرب المؤسسات القوية والوساطة الحزبية الرزينة التي تستعد لمستقبل 2026 ببرامج واقعية ومسؤولة.
إلى المتربصين والواقفين على ضفاف التردد، أقول: إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هو ضمير هذه الأمة، وقوته تكمن في مناضليه المنضبطين. سنظل نناقش ونقترح ونعارض داخل بيتنا بكل جرأة، وسنظل في الخارج سداً منيعاً يدافع عن هيبة الوردة التي رأت شمس الفكر الديمقراطي الاشتراكي التقدمي؛ تلك الوردة التي خرجت من رحم المقاومة وجيش التحرير والنضال من أجل الاستقلال والحرية والانعتاق من عبودية الاستعمار، وليست وردة الصالونات والمكاتب الفاخرة التي وضعتها الأيادي الناعمة.
إنها وردة تعمدت بمداد انشقاق 1959 التاريخي وتضحيات مؤتمر 1975 الاستثنائي، وشعارها الدائم هو ترسيخ الديمقراطية الحقيقية لحقوق الإنسان، وحرية التعبير، والمشاركة الفعلية في تسيير شؤون الدولة، دفاعاً عن المواطنين والطبقة العاملة في المزارع والأوراش. إنها ممارسة تتحمل مسؤوليتها التاريخية في بناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، وصادقة مع شعبها.
.فاعل اقتصادي ومنتخب مهني، قيدوم منتخبي غرف التجارة والصناعة والخدمات بالمغرب








تعليقات
0