شتّان، فعلًا، ما بين جمهورٍ يملأ المدرجات عددًا، وجمهورٍ يملؤها روحًا. شتّان ما بين من يأتي ليُشاهِد المباراة، ومن يأتي ليصنعها. ما عايشناه في بدايات كأس إفريقيا للأمم كشف فجوة مؤلمة لا علاقة لها بالنتائج وحدها، بل بثقافة الحضور نفسها.
في مدرجاتٍ الرباط بدت مكتملة الشكل، كان الفراغ في الجو. جمهور حاضر بالجسد، غائب بالفعل. تشجيع متقطّع، حماس موسمي، وجلوس طويل كأن المباراة تُعرَض على شاشة لا تُسمَع منها الصرخات. تحوّل المدرج إلى صالة انتظار، واللقطة إلى مادة تصوير، واللحظة إلى فرجة باردة.
الجمهور المتفرّج لا يُخطئ، لكنه لا يُضيف. يصفّق حين تُصفِّق الشاشة، ويصمت حين تتعقّد المباراة، وينسحب نفسيًا قبل صافرة النهاية. لا يضغط، لا يربك الخصم، ولا يمنح لاعبيه تلك الدفعة التي تصنع الفارق عندما تتعادل الكفّتان.
في المقابل، الجمهور المُشجِّع كائن آخر. لا يجلس طويلًا، ولا يساوم على صوته. يؤمن حتى عندما تتعقّد الحسابات، ويستمر حين تتأخر الأهداف. يعرف أن التشجيع ليس زينة، بل دور. وأن المدرج ليس خلفية، بل جبهة ثانية للعب.
ما وقع في أكادير كان شاهدًا صارخًا على هذا الفرق. جمهور مغربي قدّم درسًا في التشجيع، بإيقاع جماعي، وبنَفَس طويل، وبحماسة جعلت الجميع يعترف بقوة الأجواء. لم يكن الأمر مسألة انتماء للمنتخب المشجَّع بقدر ما كان تعبيرًا صافيًا عن فهم عميق لمعنى أن تكون في المدرج.
وهنا بيت القصيد: كيف نُتقن التشجيع حين نريد، ونتحوّل إلى متفرجين حين يتعلق الأمر بمنتخبنا؟ كيف نطالب اللاعبين بالقتال، ونحن لا نخوض معركتنا في المدرجات؟
الكرة الحديثة لا تُحسَم بالخطط فقط. تُحسَم أيضًا بالصوت، بالضغط، وبالإيمان الجماعي. الجمهور جزء من الأداء، لا ملحق له. وحين يختار أن يكون متفرجًا، فإنه يتنازل طوعًا عن دوره.
شتّان ما بين جمهور يملأ المقاعد… وجمهور يملأ القلوب. وشتّان، بالتالي، ما بين فريق يُقاتل وحده، وفريق يجد خلفه مدرجًا يعرف كيف يُشجِّع.








تعليقات
0