عبد الحق الريحاني
احتضن المقر التاريخي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بحي أكدال بالرباط، يوم الأربعاء 25 فبراير الجاري، حفل تقديم وتوقيع كتاب “نظرية التوازن وتفسير التغير الاجتماعي”، وهو العمل الأكاديمي الذي نال به عالم الاجتماع المغربي الراحل محمد كسوس شهادة الدكتوراه من جامعة برينستون بالولايات المتحدة الأمريكية.
ويندرج هذا اللقاء ضمن الأنشطة الثقافية والإشعاعية التي تنظمها الكتابة الإقليمية للحزب بالرباط بمقره التاريخي، في إطار إعادة الاعتبار للذاكرة الفكرية السوسيولوجية المغربية وربطها بأسئلة الراهن.
مسار أكاديمي عابر للحدود وصناعة مدرسة مغربية
قدّم اللقاء مسار محمد كسوس بوصفه مساراً علمياً عابراً للحدود الجغرافية والفكرية. فقد غادر المغرب مطلع ستينيات القرن الماضي نحو كندا، حيث حصل على دبلوم الماستر من جامعة لافال، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة لينال شهادة الدكتوراه من جامعة برينستون. وبعد عودته إلى المغرب سنة 1969، التحق بجامعة محمد الخامس بالرباط، وأسهم في تكوين عدد كبير من الباحثين في علم الاجتماع، واضعاً اللبنات الأولى لتقليد بحثي مغربي ينطلق من الواقع المحلي وأسئلته الخاصة.
أحمد العاقد… إدارة للقاء بعمق ثقافي وروح تنظيمية
تولّى إدارة هذا الحفل الثقافي والفكري الدكتور أحمد العاقد، الكاتب الوطني للثقافة بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث لعب دوراً محورياً في تأطير النقاش وتدبير فقرات اللقاء بسلاسة وانسجام. وقد حرص العاقد على منح الكلمة للمتدخلين في تسلسل يراعي البعد العلمي والتاريخي للموضوع، مع توجيه النقاش نحو إبراز القيمة الفكرية لأطروحة محمد كسوس وسياقات إنتاجها وراهنية أسئلتها اليوم.
كما أسهم في إعطاء اللقاء بعده الإشعاعي والثقافي، عبر الربط بين استعادة الذاكرة السوسيولوجية الوطنية ورهان الحزب على الثقافة كرافعة أساسية في النقاش العمومي والتأطير الفكري، مؤكداً من خلال إدارته للقاء أن مثل هذه المبادرات ليست مجرد احتفاء رمزي، بل جزء من مشروع أوسع لإعادة الاعتبار للفكر النقدي داخل الفضاء الحزبي والعمومي.
خالد عليوة: أطروحة نظرية عميقة وجرأة مبكرة
في مداخلته، أكد الدكتور خالد عليوة أنه اطّلع على النسخة الإنجليزية من أطروحة محمد كسوس وقرأها بتأثر كبير، معتبراً أن الدافع لاختيار علم الاجتماع في ذلك السياق كان سؤالاً وجودياً ومعرفياً قبل أن يكون اختياراً أكاديمياً عادياً. وأبرز أن الأطروحة كتاب نظري صرف وعميق، وأن الجرأة التي تحلّى بها كسوس في سن مبكرة كانت لافتة، خاصة وهو يناقش في تلك المرحلة إنتاج بول باسكون الذي كان يُعدّ آنذاك بمثابة “مدرسة” قائمة الذات في السوسيولوجيا المغربية.
وتساءل عليوة كيف لشاب مغربي في الخامسة والعشرين من عمره أن يناقش المنتوج السوسيولوجي بتلك الجرأة العلمية، مبرزاً أن كسوس لو استقر في جامعة برينستون حين طُلب منه ذلك، لكان له شأن كبير في الجامعة الأمريكية ومستقبل أكاديمي وازن.
ودعا المتدخل إلى “تشفير” أطروحة كسوس لا الاكتفاء بقراءتها، أي تفكيك بنياتها النظرية ومنهجها التحليلي واستثمارها في النقاش السوسيولوجي الراهن. كما أشار إلى أن كسوس لم يقدّم نفسه باعتباره ماركسياً، ولم يضع ماركس في صلب أطروحته، غير أن مقاربته للتوازن والتغير الاجتماعي تُظهر، في العمق، اشتغالاً بمنهج ماركسي من دون إعلان إيديولوجي صريح.
واعتبر عليوة أن المغرب أضاع فرصة تقديم منارة فكرية عالمية في السوسيولوجيا، مبرزاً أن كسوس كان يشتغل داخل الجامعة على “نظرية التوازن” في وقت كانت فيه الساحة الأكاديمية تعجّ بالماركسيين المدافعين عن النظرية النقدية، ما جعله يعيش نوعاً من التوتر بين بيئة أكاديمية أمريكية منفتحة وبيئة مغربية مؤدلجة.
وربط عليوة التزام كسوس السياسي بكونه اشتغل على التجريد النظري، والسياسة بدورها مجال من مجالات التجريد، معتبراً أن علم الاجتماع اليوم أصبح علماً هجيناً، وأن السؤال الاجتماعي تغيّر جذرياً بفعل عصر التكنولوجيا والمعرفة وشبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما يجعل الاعتراف باستباقية كسوس أمراً ضرورياً اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إدريس بنسعيد: راهنية أطروحة كُتبت قبل ستين سنة
من جانبه، تساءل الأستاذ إدريس بنسعيد، صديق محمد كسوس، عن دوافع العودة إلى أطروحة كُتبت قبل ستة عقود، وما الذي يجعلها راهنة اليوم. وأوضح أن السياق الذي سافر فيه كسوس إلى كندا والولايات المتحدة كان سياق مغرب حديث الاستقلال، يحمل أسئلة كبرى حول مستقبل البلاد: كيف سيكون المغرب بعد الاستقلال؟ وأي فريق سيقود مسار التقدم والبناء؟
وأشار بنسعيد إلى أن كسوس التحق بالجامعة في سياق وصفه بـ“الإرهاب الفكري”، حيث كانت بعض الاختيارات النظرية تُفرض بقوة الرمزية الأكاديمية، غير أنه بدأ مساره في التعلم والتأقلم والتعرّف على النظريات السوسيولوجية الصاعدة.
وتوقف المتدخل عند سؤال موقع التاريخ داخل التحليل السوسيولوجي لدى كسوس، مبرزاً أن هذا الأخير كان شديد الارتباط بالتاريخ ومعجباً به، لكنه كان يعتبر أن استعمال التاريخ في السوسيولوجيا يجب أن يتم باعتباره اختصاصاً معرفياً لا مجرد خلفية عامة. كما شدد على أن الإطار النظري لكسوس كان يقوم على “بناء الواقع” و”إنتاج الموضوع”، معتبراً أن الحزب السياسي، في نظر كسوس، كان في حاجة دائمة إلى نظرية متجددة تؤطر ممارسته.
وفي تحليله للعلاقات الاجتماعية والمؤسسات، أوضح بنسعيد أن كسوس انتصر للمؤسسات باعتبارها اللبنة الأولى للديمقراطية، وأن اهتماماته البحثية كانت تتجه نحو دراسة المجتمع المغربي، وسؤال التنمية بمعناها الواسع، بما فيه التنمية الثقافية. وأبرز أن كسوس كان يرى المغرب يسير في اتجاه بناء مؤسسات عصرية في مقابل استمرار علاقات اجتماعية تقليدية، وهو تناقض بنيوي يفسّر جزءاً من أعطاب الانتقال الديمقراطي. كما شدد على أن البحث السوسيولوجي، في تصور كسوس، يجب أن يكون بحثاً تجريبياً لا اختبارياً، وأن علم الاجتماع يعيش اليوم أزمة على مستوى الهمّ النظري رغم تراكم المعطيات، وهو ما يجعل الأطروحة، بعد ستين سنة، لا تزال قوية وعميقة ومرجعاً للباحثين.
عبد المقصود الراشدي: كسوس المربي ومحبّ المفاهيم الدقيقة
في مداخلته، استعاد عبد المقصود الراشدي أجواء “نوستالجية” القاعة التي احتضنت في فترات سابقة لقاءات الطلبة الاتحاديين والشباب، وكانت من بين الفضاءات التي نشّطها محمد كسوس. وركّز الراشدي على شخصية كسوس كباحث وإنسان في آن واحد، مبرزاً تميّزه بتوضيح وتمحيص المفاهيم، وقدرته على تحفيز الباحثين والطلبة على بناء موضوعاتهم البحثية بشكل غير مباشر.
واستحضر الراشدي تجربته الشخصية مع كسوس سنة 1983 حين أنجز معه بحث الإجازة، مشيراً إلى أن توجيه كسوس كان يتم عبر دفع الطلبة إلى وحدة الموضوع والانسجام المنهجي من دون فرض قوالب جاهزة. وأوضح أن قراءة الكتاب تفرض التركيز على المفاهيم المركزية التي ظل كسوس وفياً لها، وفي مقدمتها البنية الاجتماعية، والنخبة، والتوازن والتغير الاجتماعي.
وأضاف أن جميع دروس كسوس كانت لا تخلو من أمثلة شعبية قريبة من اليومي المغربي، تُستعمل لتبسيط المفاهيم النظرية العميقة، من أجل تمكين الطلبة من استيعاب جوهر التحليل السوسيولوجي.
وخلص إلى أن كسوس كان يبحث عن “خط وسط” بين مختلف النظريات والاختيارات الاجتماعية والسياسية، بما يضمن توازناً بين البنيات والمؤسسات والمجتمع، معتبراً أن السؤال الاجتماعي والدولة الاجتماعية يشكلان رهان التنمية والتقدم والدمقرطة، وأن آفاق علم الاجتماع اليوم تفرض قراءة متجددة ومنفتحة على التحولات.
عمر بنعياش: من الأطروحة إلى المتن الفكري المتكامل
أما الدكتور عمر بنعياش، الذي بصم على تقديم وعرض الكتاب، فأبرز أن العمل لم يقتصر على نشر أطروحة أكاديمية، بل سعى إلى تجميع شتات التراث الفكري لمحمد كسوس، الذي ظل موزعاً بين دراسات وتقارير وتسجيلات ووثائق مرتبطة بتجربته في المجلس البلدي، إضافة إلى مواد صحفية وصور أرشيفية، من بينها صورة قديمة نُشرت في مجلة “لاماليف” لكسوس في شبابه.
وأوضح بنعياش أن الأطروحة طُرحت عليها عدة خيارات: نشرها كما هي، أو ترجمتها إلى الفرنسية، وأن الاشتغال عليها تطلّب قرابة ثمانية أشهر من القراءة المتأنية والفهم الدقيق بسبب الكمّ الهائل من المراجع والإحالات النظرية. كما ذكّر بالمناظرة الفكرية التي جمعت محمد كسوس بكل من عبد الله العروي وعزيز بلال ونُشرت في مجلة “لاماليف”، معتبراً أن جمع هذا التراث وتثمينه يحتاج إلى مؤسسة متخصصة في حفظ الذاكرة الفكرية الوطنية.
وختم بنعياش بالتأكيد على أن تقديم وعرض هذا الكتاب اليوم ليس مجرد وفاء لاسم أكاديمي، بل هو مساهمة في إعادة إدماج مشروع فكري مغربي في النقاش العمومي والعلمي الراهن.
أكثر من احتفاء… دعوة إلى ردّ الاعتبار للسوسيولوجيا المغربية
لم يكن هذا اللقاء مجرد احتفاء بكتاب أو استذكار لمسار أكاديمي، بل تحوّل إلى منصة نقدية لإعادة طرح سؤال علم الاجتماع بالمغرب اليوم: ما موقع النظرية في زمن سيطرة المعطيات؟ وكيف يمكن للسوسيولوجيا أن تستعيد قدرتها على تفسير التحول الاجتماعي في ظل عصر المعرفة والرقمنة؟
في هذا السياق، بدت العودة إلى أطروحة محمد كسوس عودةً إلى لحظة تأسيسية كان فيها الرهان على بناء نظرية مغربية في علم الاجتماع، تنطلق من الواقع المحلي وتتحاور مع الفكر الكوني دون تبعية. وهو رهان ما يزال مطروحاً بإلحاح اليوم، في ظل الحاجة إلى تجديد أدوات تحليل التنمية والديمقراطية والدولة الاجتماعية، بما يجعل من استعادة فكر كسوس ليس فعلاً تأبينياً، بل تمريناً جماعياً على إعادة التفكير في شروط التغيير بالمغرب.








تعليقات
0