يشبه الوضع السياسي في المغرب الآن، بعد خروج السيد عزيز أخنوش من رئاسة حزبه، ما يعبر عنه المثال المغربي” طاحت القرعة وبقات الزيت معلقة”!
لا نسعى إلى خوض غمار دستوراني في رحيل رئيس الحزب الوطني عن رئاسته، وبقائه في الحكومة، بالرغم من الإغراءات التي يمكن أن تستهوينا في التعليق، ولا نريد أن نظل مشدودين إلى هاته المفارقة، فالأمر عندنا لا يتعلق بنقاش “كيدي” في حزب وطني من بين الأحزاب المؤثرة في المشهد السياسي والمؤسساتي، بقدر ما نرى أن النقاش يفرض نفسه لأنه الحزب الذي تم من خلاله احترام الدستور عند تعيين رئيس الحكومة منه.
بطبيعة الحال هناك مداخل كثيرة للنظر إلى واقعة عزيز أخنوش، منها محاولة مقارنة وضعيته بوضعية عبد الرحمان اليوسفي، وزير حكومة التناوب الأول أو رئيس حكومة التناوب الثاني، مع وجود الفارق في الطبيعة والدرجة…
أولا، وعلى عكس ما ذهب إليه بعض المحللين وقراء الواقع السياسي، لا مجال للمقارنة بين حالة عبد الرحمان اليوسفي وعزيز أخنوش، لا نهدف هنا إلى المقارنة بين المسارين والشخصيتين والتجربتين، بل من حيث الاحتكام إلى اللحظة الديموقراطية.
عبد الرحمان قضى ولايته كاملة، كما يفعل أخنوش، ولكنه توجه إلى المغاربة من أجل الحكم الشعبي الديموقراطي عبر صناديق الاقتراع، وهو يرأس حزبه الذي قاد الحكومة، وقدم حصيلة عمله وعرض نفسه للأحكام الديموقراطية الشعبية…
وهو ما لن يحصل في واقعة عزيز أخنوش…
عبد الرحمان كان موضوع خروج عن المنهجية الديموقراطية، استنادا إلى سقف الدستور وقتها” 1996″، الذي كان يسمح بالتعيين من خارج الحزب الذي تبوأ المرتبة الأولى.
وقد فتح هذا الأمر الباب لطرح هاته القضية الديموقراطية على بساط النقاش العمومي، وفي الأجندة الإصلاحية.
وتم ذلك بتبني الإصلاحات الدستورية لمطلب المنهجية الديموقراطية ودسْترتها، وإلزام الجميع بها، بل قبل بها جلالة الملك نفسه وعرضها في خطاب 9 مارس.
وهذا المكسب، أو الالتزام الدستوري، “قيَّد” التعيين الملكي، بشكل لم يعد من الممكن القفز عليه…
وفي هذا الجانب فإن ذهاب عزيز أخنوش، من على رأس الحزب، حتى ولو رأى فيه البعض “احتراما للمنهجية الديموقراطية ” الحزبية داخل التجمع الوطني للأحرار، فليس له أي امتداد إصلاحي يذكر في الترسانة الديموقراطية المغربية…
ولسنا من هواة قراءة الطالع للبحث عن الأسباب “الغامضة” وراء رحيله خارج الواضحات، هذا ليس من شأننا، بل نريد أن نجد في الثقافة الديموقراطية ما يجب أن يؤطر النقاش حول هذا الموضوع.
ثانيا، من أهم المستجدات الدستورية التنصيص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولعل الهدف منه لا يقف عند مبدأ دستوري أساسي يضمن الحكامة الجيدة ويضع الأساس الأخلاقي لتدبير الشأن العام، بل يمتد ليشمل ترسيخ المشروعية في الثقافة الديموقراطية.
فالفصـل الأول من الدستور يقدم المنظومة التي يتأسس عليها التعريف الدستوري للدولة ولنظام الحكم، وفي ذلك تتجاور وتتعالق تعريفات هذا النظام ” نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية”، مع مقومات النظام “يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة”.
ومن حق المغاربة، الذين شاركوا في إفراز إحدى الركائز الأساسية لنظام الحكم، السلطة التنفيذية، أن يسألوا عن مآلها بعد التطورات التي حصلت بالنسبة للحزب الذي يقودها.
وللتوضيح، لا بد من طمأنة الرأي العام، الآن وقد ذهب ركن رئاسة الحزب وبقيت رئاسة الحكومة، أو لنقل بقي المبنى الدستوري وانتفى المعنى من خلال انتفاء المضمون الأغلبي للحكومة ذاتها…
من هنا نفهم السؤال الذي طرحه الاتحاد الاشتراكي في بلاغه الأخير، إذ اعتبر أن ( التحدي الجوهري الذي تواجهه الأغلبية بوضع رأسها في الرمال، لحد الساعة، هو مصيرها كأغلبية حكومية، بعد استقالة رئيسها الحزبي وضرورة طمأنة الرأي العام المغربي بهذا الخصوص، لا سيما مدى قدرتها على تدبير الشأن العام، في منعطف جد هام برهانات وجودية، ترابيا وجيوسياسيا مطروحة على بلادنا).
ثالثا، إن المعطى الأساسي في فهم التمثيلية ضمن النظام الدستوري الجديد لا يقتصر على فهم السلطة وممارستها وما تتطلبه من عملية شرعنة فحسب، بل هو ضروري كذلك لفهم المسؤولية ذاتها، كما هي منصوص عليها في ربطها بالمحاسبة، وتعطيل المسؤولية هو تعطيل للدستور وتعطيل لمنظومة حكم كاملة في الواقع.
والوضع الحالي يزيد من هشاشة الحكومة وإضعاف وضعها الدستوري عند الناس، كما يُكرس القناعة بأن المضمر في هذا الانسحاب هو أن الأحزاب ليست ضرورية للاستمرارية الحكومية. وهذا درس بليغ يعكس الـ bureaucratisation (البيرقرطة) للوعي السياسي، وتكريسا مبطنا للتقنوقراطية بلبوس سياسي.
رابعا، ستنضاف المرحلة الحالية إلى بعض مراحل حياتنا المؤسساتية السابقة، ولن يكون الموضوع هو الحصيلة والمحاسبة عليها، بل يصبح الانسحاب وتداعياته المؤسساتية، على الأغلبية، هو الموضوع، وقد يشكل فرصة لتعويض النقاش الديموقراطي بنقاش «سحروقراطي»، حول قراءة الفنجان ولماذا وكيف ومن … إلخ.
وقد سبق لنا أن عشنا لحظات لم يكن فيها النقاش حول حصيلة الحكومات وتداعياتها على المعيش اليومي للمغاربة وموقع المغرب الجيواقتصادي والجيوسياسي، بل ارتأت المنهجية المستحدثة فيها الإفلات من المحاسبة عبر الزج بمفاهيم أخرى للنقاش، التحكم والدولة العميقة، الأخونة.. وغير ذلك، حتى إن حزبا مثل التجمع أصيب بذلك ودخلت أدبياته أحاديث عن» الدولة العميقة» وتقويضها للحياة الحزبية…إلخ.
خامسا، إن التفاوت الزمني بين الولاية الحزبية والولاية الحكومية بات يطرح نفسه من زاوية احترام المنهجية الديمقراطية ونصوص الدستور، وهو ما يدفع نحو ضرورة التطابق بين الأجندتين، بحيث تكون الولاية الحزبية مطابقة للولاية الحكومية، بما يضمن احترام المنهجية التي أشرنا إليها، ولا يخلق سوابق مؤسساتية من قبيل تلك التي نعيشها اليوم.
سادسا، إن وضعا كهذا يفرض على المعني بالأمر طلب إعفائه، مثلا، لا سيما إذا أدرك أن شغور منصبه الحزبي يجعله بدون قاعدة لممارسة المسؤولية الدستورية أو كان يفرض حل الحكومة، وهو ما يتطلب إجراء انتخابات سابقة لأوانها في ظرف دقيق، أو التفكير في الشروط العامة للوطن، من حيث رهاناته التي تتجاوز السباقات الحزبية والتنافس الديمقراطي .
وبلغة أوضح، يقتضي الأمر تدبيرا وطنيا مشتركا لمرحلة دقيقة، فيها التوافقات الكبرى، عوض تهافت الأغلبية على من يقود الحكومة في 2026، وهو تهافت يلغي من حسابه شرطين وقاعدتين جوهرتين في منظور الدستور الجديد: شرط الحكم الشعبي من خلال صناديق الاقتراع، والتعيين الملكي حسب تقديرات ضمان السير الحسن للمؤسسات، وحسب الممكنات الدستورية التي يملكها ملك البلاد …
وهذا موضوع آخر أصبح يطرح مناقشته بالنظر إلى تطورات .. الوطن، وما يستجد دوليا في القضية الوطنية وافتتاح لحظة من اللحظات الأكثر دقة، ربما لا نقارنها إلا بلحظة تدبير فترة ما بعد الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، أو لحظة المسيرة وتدبير الدولة الوطنية الموحدة والديموقراطية…
الوطن أولا …








تعليقات
0