سلمى فرج الله

في أجواء رمضانية دافئة، وتحت ظلال العمارة التاريخية للمقر الجهوي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ”حي الأحباس”، افتتحت الكتابة الإقليمية للحزب بالفداء مرس السلطان بمدينة الدارالبيضاء، أولى حلقات برنامجها “السمر الرمضاني” الذي يندرج في إطار رمضانيات درب السلطان في دورتها الأولى، مساء الجمعة الأخير، باستضافة وجه بارز جمع بين صرامة القانون وشغف الرياضة، ابن المنطقة البار ، المحامي ورئيس نادي الرجاء الرياضي السابق، الأستاذ أنيس محفوظ، في لقاء أداره المحامي المتدرب، عضو الكتابة الإقليمية والمجلس الوطني للشبيبة الاتحادية ذ. عمر عزيزي.

دينامية تنظيمية تنهل من توجيهات القيادة السياسية

السمر الرمضاني لدرب السلطان في أول لقاء، حضرته وجوه عديدة، خاصة من فئة الشباب، حيث غصّت القاعة بالحاضرين، والذي تم افتتاحه بكلمات تأطيرية لكل من ذ وحيد مبارك، رئيس المجلس الإقليمي للحزب بالمنطقة، وذ محمد قمار الكاتب الإقليمي، وذة عائشة كلاع عضو المكتب السياسي والمحامية، وهي الكلمات التي أكدت على انخراط الحزب في درب السلطان في الدينامية الحزبية التي تنهل من توجيهات القيادة السياسية ومن توصيات وخلاصات مختلف المحطات التنظيمية السابقة، من خلال تسطير برنامج عمل يزاوج بين ما هو سياسي، تنظيميا وإشعاعيا، إلى جانب استحضار أبعاد أخرى اقتصادية واجتماعية وفكرية.
وتوقفت المداخلات عند مختلف التحديات التي تعرفها المنطقة خاصة والدارالبيضاء عامة، مع التأكيد على التوجه الحزبي لتعزيز ثقافة القرب واستعادة الموقع السياسي في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، مع توجيه انتقادات لمآلات تدبير الشأن العام في ظل عدد من الاختلالات المسجلة التي تعطل عجلة الديمقراطية والتنمية على حد سواء.

درب السلطان: القلب النابض والتهميش المؤلم

من جهته، تحدث الأستاذ أنيس محفوظ بحنين جارف عن منطقة الفداء ودرب السلطان، واصفا إياها بأنها “المنطقة الوحيدة التي يتنفس فيها الهواء بكل حب وأريحية”، بعيدا عن صخب وتكلف المناطق الأخرى. وأوضح أنيس أن هذه الأحياء ليست مجرد تجمعات سكنية، بل هي الأصل والأساس الذي بُني عليه الامتداد الحضري لمدينة الدار البيضاء تاريخيا، إلا أنه سجّل بمرارة نوعا من غياب الاهتمام بتطوير المنطقة بما يليق بوزنها، مؤكدا أن الواقع الحالي يستلزم بذل مجهودات مضاعفة، خاصة في خلق المساحات الخضراء التي تعتبر متنفسا ضروريا لتحسين النفسية العامة للساكنة، وكل ما يتعلّق بالبنية التحتية الثقافية والرياضية والاجتماعية الموجهة لمختلف الشرائح والفئات العمرية، ولاسيما الشباب، مشدداً على أن أبناء المنطقة هم القادرون على فهم احتياجاتها والنهوض بها.

نشأة فلسفية وسياسية تحت ظلال الالتزام

وعن طفولته التي شكلت ملامح شخصيته، كشف الضيف أنه نشأ في بيت يسكنه الفكر والالتزام، حيث كان والده أستاذا في مادة الفلسفة، مما ألزمه منذ سن الثامنة الغوص في كتب الفلاسفة الكبار وتأمل أفكارهم. هذا التكوين “الرصين” جعله يتشبع بالقضايا السياسية والوطنية قبل أقرانه، حيث شارك والده ذ عبد السلام محفوظ في العديد من المحطات النضالية والحملات الانتخابية، أبرزها محطة عام 1996. وأكد أنيس أن هذه الخلفية كانت لها تأثيرات عميقة على نمط تفكيره، بل وانعكست حتى على ممارسته لمهنة المحاماة، التي يعتبرها مدرسة يومية لـ “امتصاص الغضب” والتحلي باللباقة والرزانة في أصعب المواقف، مشيرا في السياق ذاته إلى المرحلة التي قضاها في الشبيبة الاتحادية التي تعتبر مدرسة في التأطير والتكوين إلى جانب الجيل الذي كان معه، ومن بينهم ذ وحيد مبارك وعدد كبير من المناضلات والمناضلين.

نادي الرجاء: المتلازمة الرياضية والضغط الاجتماعي

بعد ذلك انتقل النقاش إلى عالم المستطيل الأخضر، حيث أكد محفوظ أن “نادي الرجاء الرياضي هو ظاهرة اجتماعية وثقافية تتجاوز ما هو رياضي”، مشيرا بفخر إلى جذور النادي التي أسسها نقابيون ومحامون ومثقفون. وعن تجربته في رئاسة “القلعة الخضراء”، أوضح أنها كانت تجربة حياة حقيقية علمته الصبر وكيفية تدبير الضغوط العالية، مؤكدا على أن المسؤول يجب ألا يتأثر بتقلبات الجمهور بل يجب أن يحتكم للنزاهة والعمل المعقول. واستحضر أنيس في سياق ردّه على الأسئلة التي وجّهها له المسير ذ عمر عزيزي، في إطار محاور متفرقة، “ديربي 4-4” كأيقونة في ذاكرته، متقاسما مع الحاضرين بعد تفاصيل تلك المباراة مع فريق الوداد البيضاوي، مجددا قناعته بضرورة فصل السياسة عن الرياضة، لأن جمهور الدار البيضاء يمتلك وعيا يرفض استغلال الكرة في أمور سياسية.

نقد الواقع الاقتصادي وتطلعات المنظومة الرياضية

وفي الشأن العام، لم يخلُ حديث أنيس محفوظ من جرأة نقدية، حيث علّق على غلاء الأسعار مقارنة بالقدرة الشرائية قائلاً: “أصبحنا نعيش في مستوى معيشي يضاهي أوروبا”، كما عبر عن أسفه لبعض القرارات الحكومية التي افتقرت للباقة المهنية في معالجة ملفات حساسة كأزمة المحامين. ومن جهة أخرى، أشاد بالتطور المبهر للملاعب والبنية التحتية بفضل القيادة الحكيمة لجلالة الملك، مؤكدا أن وصول المنتخب الوطني للعالمية هو مجرد بداية، لكنه شدد على ضرورة تصدير هذا النجاح الكروي إلى رياضات أخرى، لأن الرياضة المغربية لا يجب أن تقتصر على كرة القدم فقط، بل تحتاج لتطوير شامل لكل الأنواع الرياضية.

رسالة الختام: الأمل في أبناء المنطقة

وفي ختام هذا السمر، وجّه الأستاذ أنيس محفوظ رسالة مباشرة وصريحة لأبناء حيه ومنطقته، داعيا الجميع إلى ضرورة الانخراط الفعلي والجاد في اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب، مؤكدا بلهجة الواثق أن خلاص المنطقة وتنميتها رهين بمدى غيرة أبنائها وقدرتهم على استعادة بريقها التاريخي، مشددا على أنه “لن يحمل همّ المنطقة ولن ينهض بها أحد غير أبنائها” الذين تربوا في أزقتها ويعرفون قيمة تاريخها.

 

تذكار ورسائل أمل

وعقب انتهاء الحوار الذي تخلّلته مساهمات شعرية للمبدعين عزالدين زهير وسعيد اليحياوي، إلى جانب أسئلة بعض الحاضرين في القاعة، تم تسليم الضيف أنيس محفوظ تذكارا رمزيا يترجم احتضانه من طرف إخوته وـخواته في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في أجواء رمضانية بهيجة، تركت أثرا طيبا عند كل الحاضرات والحاضرين، مع التأكيد على تجديد الموعد مع ضيوف آخرين في باقي حلقات برنامج رمضانيات درب السلطان للحزب بالمنطقة.