بدأت السنة المالية الجديدة على إيقاع ارتفاع في القروض البنكية، في سياق اقتصادي يتسم بتوازن دقيق بين دعم الاستثمار وضبط المديونية. وأفاد بنك المغرب بأن جاري القروض البنكية بلغ 1.228,6 مليار درهم عند متم يناير 2026، مسجلا نموا سنويا بنسبة 8,4 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2025.
هذا التطور يعكس استمرار الطلب على التمويل، سواء من طرف الأسر أو المقاولات، مع تباين في وتيرة النمو بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
قروض الأسر.. نمو معتدل واستقرار نسبي
سجلت القروض الممنوحة للأسر ارتفاعا بنسبة 3,3 في المائة على أساس سنوي. ويعزى ذلك أساسا إلى زيادة قروض السكن بنسبة 3 في المائة، وقروض الاستهلاك بنسبة 3,8 في المائة.
هذا النمو المعتدل يعكس حذرا نسبيا لدى الأسر في اللجوء إلى التمويل، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بكلفة المعيشة وأسعار الفائدة. كما يشير إلى أن الطلب على السكن ما زال يحافظ على دينامية مستقرة، دون تسجيل قفزات قوية.
اقتصاديا، تمثل قروض الأسر مؤشرا مباشرا على ثقة المستهلكين. ارتفاعها بوتيرة محدودة يعني أن الاستهلاك يميل إلى الاستقرار، مع غياب اندفاعة توسعية قوية.
المقاولات غير المالية.. دفع الاستثمار مقابل تراجع السيولة القصيرة الأمد
القروض الموجهة للمقاولات غير المالية الخاصة ارتفعت بنسبة 3,7 في المائة. ويعود هذا التحسن أساسا إلى ارتفاع قروض التجهيز بنسبة 14,5 في المائة، وقروض الإنعاش العقاري بنسبة 7,6 في المائة.
اللافت في المعطيات هو الارتفاع القوي لقروض التجهيز، ما يعكس توجها استثماريا لدى عدد من المقاولات، سواء لتحديث أدوات الإنتاج أو توسيع الطاقة الإنتاجية. في المقابل، تراجعت تسهيلات الخزينة بنسبة 4,3 في المائة، وهو مؤشر على تراجع اللجوء إلى التمويل قصير الأجل المرتبط بتدبير السيولة اليومية.
هذا التباين يوحي بانتقال نسبي من منطق تدبير الصعوبات الظرفية إلى منطق الاستثمار المتوسط والطويل الأمد.
الوكلاء الماليون.. قفزة ملحوظة في التمويل
سجلت القروض الممنوحة للوكلاء الماليين نموا سنويا بنسبة 23,8 في المائة، وهي نسبة تفوق بكثير وتيرة نمو القروض الموجهة للوكلاء غير الماليين التي بلغت 5,3 في المائة.
هذا التطور قد يرتبط بإعادة تموقعات داخل القطاع المالي، أو بحركية أكبر في أدوات التمويل والاستثمار، ما يعكس دينامية داخلية في النظام البنكي نفسه.
قراءة في الاتجاه العام
ارتفاع جاري القروض إلى أكثر من 1.228 مليار درهم يؤكد أن الجهاز البنكي يواصل أداء دوره في تمويل الاقتصاد، رغم السياق الدولي المتقلب. غير أن وتيرة النمو المعتدلة لدى الأسر والمقاولات غير المالية توحي بأن الفاعلين الاقتصاديين يتصرفون بقدر من الحذر.
المعادلة المطروحة اليوم ليست فقط في حجم القروض، بل في جودتها وتوجيهها. حين ترتفع قروض التجهيز أكثر من تسهيلات الخزينة، فإن ذلك يعني أن الاقتصاد يراهن على الاستثمار بدل الاستهلاك المفرط أو التمويل الظرفي.
السؤال الذي سيحسم الأشهر المقبلة هو ما إذا كانت هذه الدينامية ستترجم إلى نمو فعلي في الإنتاج وفرص الشغل، أم ستظل في حدود تحركات مالية تعكس إعادة ترتيب داخلية للميزانيات. الأرقام تمنح مؤشرات، لكنها لا تكشف وحدها مسار الاقتصاد بالكامل؛ فهي أشبه بنبض، يخبرنا أن القلب يعمل، دون أن يخبرنا بعد عن سرعة العدو المقبلة.








تعليقات
0