الاتحاد الاشتراكي يناقش الدولة الاجتماعية بين الالتزام الدستوري ورهانات التمكين الاقتصادي والاجتماعي…

yousra الأربعاء 11 مارس 2026 - 10:18 l عدد الزيارات : 80170

نظمت الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعمالة الدار البيضاء أنفا، مساء الثلاثاء 10 مارس 2026، ندوة فكرية وسياسية تحت عنوان “الدولة الاجتماعية في المغرب بين الالتزام الدستوري ورهانات التمكين الاقتصادي والاجتماعي”، جمعت نخبة من الأساتذة والباحثين والفاعلين السياسيين والمدنيين، لمناقشة واقع الدولة الاجتماعية في المغرب، ومدى الالتزام الفعلي للدولة بالحقوق الدستورية والاجتماعية للمواطنين، والتحديات المطروحة أمام تنفيذ السياسات العمومية بشكل متكامل ومستدام.

وقد استهل الأستاذ عبد العالي مستور مداخلته بالتأكيد على أهمية الموضوع الذي أتاح فرصة لقاء أساتذة وفاعلين سياسيين ومدنيين، حيث ركز على ثلاثة محاور مترابطة تمثلت في الدولة الاجتماعية، وتمكين المواطنة، ووضوح الطلب المجتمعي مقابل تناقض التزامات الدولة.

وأوضح مستور أن الدولة بطبيعتها مؤسسة مجتمعية، وأن الدولة الاجتماعية ليست مجرد إحسان للفقراء، بل حق دستوري مكتسب لكل مواطن، مشيرا إلى الانزلاق المفاهيمي الذي حصل تاريخيا، حيث تحولت الدولة من كونها تعبيرا عن المجتمع إلى نموذج اجتماعي مرتبط بالهيمنة الاقتصادية للسوق ورأس المال، مع إضافة بعد اجتماعي لتخفيف آثار التفاوتات، دون تغيير الهيكل العام للنظام.

وقد أشار مستور إلى عدة تناقضات في المغرب، أولها أن الطلب الاجتماعي واضح من خلال الحركات الاحتجاجية والمطالب الجماعية، إلا أن الحوار الاجتماعي المنظم ضعيف، معتبرا أن احتجاجات المحامين والأساتذة وطلبة الطب كانت خير مثال على ذلك، وأوضح المتحدث أن ثاني هذه التناقضات تمثل في التفاوت بين النصوص والقوانين والواقع، حيث المؤشرات الاجتماعية لا تعكس الالتزامات الرسمية، أما ثالثها فهو ضعف المؤسسات الحكومية مقابل هيمنة البرامج الموازية وغير المؤسساتية، ورابعها الاعتماد على المقاربات الإحسانية المؤقتة مثل المساعدات الرمضانية، بدلا من ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين.

كما نبه المتحدث إلى التداخل بين الدولة والمجتمع المدني والحزب السياسي، مؤكدا أن النموذج الحزبي المهيمن يميل أكثر إلى التمركز حول السلطة، وليس إلى الاندماج المجتمعي، مع انتقال التركيز من المشروع المجتمعي إلى منطق الزبون السياسي، بينما المجتمع المدني، رغم دوره، يواجه صعوبات في التنظيم والهيكلة، باستثناء بعض الحركات الناجحة كالنسائية، التي استطاعت فرض أجندتها في النقاش العمومي.

من جهتها، قدمت الأستاذة صباح الشرايبي قراءة نسائية لموضوع الدولة الاجتماعية، مؤكدة أن النقاش حول هذا المفهوم لا يمكن فصله عن قضية المساواة بين النساء والرجال وتمكين النساء من الولوج إلى العدالة والحقوق الأساسية، مشيرة إلى أن هذا الموضوع يكتسي راهنية خاصة في السياق الدولي، في ظل انعقاد الدورة السبعين للجنة الأممية المعنية بوضعية المرأة بنيويورك، والتي تركز هذه السنة على قضايا العدالة والمساواة.

وأوضحت الشرايبي أن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد خطاب سياسي موسمي يتجدد كل بضع سنوات، مبرزة أن المغرب عرف منذ تقرير الخمسينية للتنمية البشرية سنة 2005 موجات متتالية من النقاش حول التنمية الاجتماعية، ثم عاد النقاش بقوة مع اعتماد أهداف التنمية المستدامة، غير أن التحدي الحقيقي يظل في مدى تحقق هذه الالتزامات على أرض الواقع.

وشددت المتدخلة على أن الدولة الاجتماعية تقوم أساسا على التماسك الاجتماعي والتعاقد بين الدولة والمجتمع، من خلال ضمان الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم وتقليص الفوارق المجالية، مؤكدة أن الأمن الاجتماعي والاقتصادي يشكلان شرطا أساسيا لاستقرار المجتمع، منبهة إلى أن الحديث عن دولة اجتماعية يفقد معناه إذا كانت نسبة كبيرة من المواطنين، وخاصة النساء، لا تتمتع بنفس الحقوق رغم مطالبتها بأداء نفس الواجبات.

وفي السياق ذاته، توقفت الشرايبي عند ضعف تمثيلية النساء في مواقع المسؤولية، رغم ما تحقق من تقدم خلال السنوات الماضية، محذرة من التراجع عن بعض المكتسبات المرتبطة بمبدأ المناصفة الذي نص عليه الدستور، مشددة على أن تمكين النساء لا يمكن أن يتحقق دون ضمان استقلالهن الاقتصادي، في ظل استمرار ارتفاع نسب البطالة في صفوف النساء وتراجع معدل نشاطهن في سوق الشغل، إضافة إلى انتشار العمل في الاقتصاد غير المهيكل الذي يفتقر إلى الحماية الاجتماعية.

كما دعت المتدخلة إلى تعزيز التخطيط الاستراتيجي طويل المدى في السياسات العمومية، بدل الاكتفاء بالبرامج الظرفية، مؤكدة أن تحقيق تنمية حقيقية يقتضي إشراك النساء بشكل فعلي في مختلف مستويات القرار، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو الوطني، باعتبار أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة كاملة وفعالة للنساء في مختلف مجالات الحياة العامة.

بدوره، ركز الأستاذ كمال الهشومي على إشكالية التفعيل الواقعي للدولة الاجتماعية في المغرب، مؤكدا أن الخطاب السياسي غالبا ما يسبق التطبيق، وأن الدولة الاجتماعية ليست شعارا، بل مشروع تقدمي يوازن بين حماية المواطنين ومتطلبات السوق، حيث شرح المتحدث أن مفهوم الدولة الاجتماعية ظهر بعد الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، كرد فعل على الفوارق الاجتماعية والاقتصادية المتصاعدة، وأنه يهدف إلى إعادة التوازن بين السوق الحر والتضامن الاجتماعي لضمان تماسك المجتمع.

وأشار الهشومي إلى أن دستور 2011 نص على الحماية الاجتماعية والحق في التعليم والصحة وتعزيز العدالة وتقليص الفوارق، إلا أن الفجوة تكمن في التفعيل العملي لهذه الحقوق، خصوصا أن السياسات غالبا ما تدار بمنطق ليبرالي يترك حرية أكبر للقطاع الخاص، وتدخل الدولة يقتصر على الأزمات، مثل دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، منبها إلى محدودية مشاركة المجتمع المدني في مراقبة تنفيذ السياسات الاجتماعية، بسبب قيود تنظيمية وتقنية، رغم الدينامية التي أظهرتها الحركات النسائية والشبابية، قبل أن يختم الهشومي مداخلته بالتأكيد على أن عدم التفعيل الكامل للدولة الاجتماعية يقوض شرعية الدولة ويعرض المشروع الديمقراطي لمخاطر حقيقية.

أما الأستاذ زهير لهراوي، فقد قدم قراءة معمقة حول تراكمات وتجارب الدولة الاجتماعية في المغرب ومحدداتها الأساسية، مشددا على أن الدولة الاجتماعية تتجلى في قدرة الدولة على التدخل المباشر في القطاعات الأساسية مثل الصحة والتعليم والعمل، كما ظهر ذلك جليا خلال أزمة جائحة كوفيد-19، حين تكفلت الدولة بتقديم المساعدات المالية والتدابير الصحية والتلقيح، ما أبرز دور الدولة في حماية المواطنين في الظروف الاستثنائية، مؤكدا أن الدولة الاجتماعية تتطلب سياسات عمومية واضحة ومدعومة بميزانيات كافية، لضمان تنفيذ برامج لمعالجة القضايا الاجتماعية وتحقيق العدالة والتوازن بين فئات المجتمع، بعيدا عن الشعارات والخطابات النظرية.

كما تناول لهراوي العلاقة بين الدولة والمجتمع، مشددا على أن الطلب الاجتماعي قوي ومتزايد ويجب على العمل الحكومي تلبية هذا الطلب بطريقة فعالة وشفافة، لأن التعامل الإداري البحت أو منطق الرعاية المحدودة يضعف الشرعية ويقلل من تأثير الدولة الاجتماعية، مشيرا إلى تراكمات الخبرة والمبادرات التنموية منذ حكومة عبد الرحمن اليوسفي، مرورا بدستور 2011، وصولا إلى النموذج التنموي الوطني الجديد، الذي يركز على تعزيز الاقتصاد المنتج والمتنوع، وتنمية رأس المال البشري عبر إصلاح التعليم والتكوين المهني والصحة، بالإضافة إلى الإدماج الاجتماعي والمساواة والتنمية الترابية، وتمكين الجهات من دور محوري في التنمية.

في نفس السياق تطرق زهير إلى التحديات التي يفرضها سوق الشغل، مع معدل بطالة مرتفع نسبيا، وغياب فرص العمل الكافية مقارنة بالنمو الديموغرافي، مؤكدا أن الدولة الاجتماعية تتطلب سياسات متكاملة تراعي الواقع الاقتصادي والديموغرافي، وتوازن بين النمو الاقتصادي وضمان الحقوق الاجتماعية والاستقرار المجتمعي، وليس الاكتفاء بخطابات نظرية أو برامج جزئية.

واختتمت الندوة بتأكيد جميع المتدخلين على أن الدولة الاجتماعية في المغرب ليست مجرد برنامج حكومي أو سياسة قطاعية، بل تصور شامل لدور الدولة في المجتمع وشرعية التعاقد مع المواطنين، وأن نجاحها يعتمد على التنفيذ الفعلي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتمكين جميع الفئات من العدالة والمساواة والاستقرار، بعيدا عن البرامج الجزئية والمبادرات المؤقتة، مما يجعل الحوار حول الدولة الاجتماعية أساسيا لتعزيز الديمقراطية وترسيخ العدالة الاجتماعية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image