أكد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر أعمارة، أن ظاهرة ضياع وهدر المواد الغذائية في المغرب تمثل تحديا اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا يتطلب تدخلات منسقة وسياسات عمومية ناجعة، مشددا على ضرورة إدراج هذا الملف في صلب استراتيجية وطنية مستدامة للأغذية.
جاء ذلك في كلمة ألقاها خلال لقاء تواصلي خصص لتقديم مخرجات رأي المجلس حول موضوع “ضياع وهدر المواد الغذائية بالمغرب: حجم الظاهرة ورهاناتها من أجل تدخل ناجع”، اليوم الاربعاء، حيث أشار إلى أن تنظيم هذا اللقاء يتزامن مع شهر رمضان، الذي يشكل مناسبة للتضامن والتآزر والتقاسم، كما يمثل فرصة لضبط العادات الاستهلاكية والابتعاد عن الهدر والضياع.
وأوضح أعمارة أن المجلس ارتأى تسليط الضوء على هذه الظاهرة بالنظر إلى أهميتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وما تطرحه من تحديات مرتبطة بنماذج تدبير وتأمين الإنتاج الغذائي وأنماط توزيعه واستهلاكه، بما يضمن الاستعمال الأمثل للموارد ويعزز استدامتها، خاصة في ظل التقلبات المناخية والظواهر الطبيعية القصوى.
وأضاف أن رأي المجلس وقف على أسباب هذه الظاهرة وانعكاساتها على الصعيد الوطني، واقترح مجموعة من الرافعات الكفيلة بإحداث تحول مستدام في أنماط الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، بما ينسجم مع الأهداف الوطنية المرتبطة بالاستدامة والسيادة الغذائية والأمن الغذائي.
وأشار إلى أنه على الصعيد العالمي، تفيد معطيات برنامج الأمم المتحدة للبيئة بأن سلسلة القيمة الغذائية سجلت سنة 2022 نسبة ضياع تقدر بحوالي 13.2 في المائة بين مرحلتي الحصاد أو جني المحاصيل والبيع بالتقسيط، في حين بلغ معدل الهدر في إجمالي الإنتاج الغذائي على مستوى الأسر والمطاعم والتجارة نحو 19 في المائة.
أما على الصعيد الوطني، فقد تخلصت الأسر المغربية من حوالي 4.2 ملايين طن من المواد الغذائية سنة 2022، أي بمعدل 113 كيلوغراما للفرد سنويا، مقابل 91 كيلوغراما سنة 2021، وفق مؤشر الهدر الغذائي.
وأوضح أن ظاهرة ضياع وهدر المواد الغذائية تظهر عبر مختلف مراحل سلسلة القيمة الغذائية، حيث تسجل بعض السلاسل، خصوصا الفواكه والخضر والحبوب، نسبة ضياع تتراوح بين 20 و40 في المائة في مراحل الإنتاج والحصاد والتخزين والنقل. أما في المراحل اللاحقة، فترتبط الظاهرة أساسا بممارسات تجارية واستهلاكية غير معقلنة، مثل الشراء المفرط أو ضعف الإلمام بأساليب حفظ المنتجات، إضافة إلى محدودية تثمين السلع غير المباعة.
وأشار إلى أن هذه الظاهرة تترتب عنها كلفة اقتصادية مهمة يتحملها المنتجون والموزعون، وقد تنعكس على وفرة المواد الغذائية وتزيد من هشاشة الفئات ذات الدخل المحدود، كما أنها تضاعف الضغط على الموارد الطبيعية، حيث تشير تقديرات إلى أن نحو 1.6 مليار متر مكعب من المياه يتم تعبئتها سنويا لإنتاج مواد غذائية لا تصل إلى مرحلة الاستهلاك النهائي، فضلا عما ينتج عن تحلل النفايات الغذائية من تلوث وانبعاثات للغازات الدفيئة.
وفي هذا السياق، لفت أعمارة إلى أن عدة مبادرات أطلقت من قبل الفاعلين المؤسساتيين والقطاع الخاص للحد من هذه الظاهرة، غير أنها تبقى في كثير من الأحيان متفرقة وتفتقر إلى التنسيق، في ظل تعدد المتدخلين وغياب إطار قانوني خاص ورؤية وطنية منسجمة وآليات تتبع مهيكلة.
وأكد أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يعتبر الحد من ضياع وهدر المواد الغذائية رهانا أساسيا ينبغي إدراجه ضمن استراتيجية وطنية مستدامة للأغذية، تهدف أيضا إلى تعزيز السيادة والأمن الغذائيين، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وترشيد واردات المواد والمُدخلات الغذائية، فضلا عن النهوض بنموذج غذائي أكثر استدامة وعدالة اجتماعية وقدرة على الصمود في وجه الأزمات.
وفي هذا الإطار، اقترح المجلس إعداد قانون خاص لمكافحة ضياع وهدر المواد الغذائية، يهدف إلى منع إتلاف المواد الغذائية غير المباعة وتيسير إعادة توزيعها عبر التبرع بها للجمعيات ودور الأيتام وبنوك التغذية، إضافة إلى تشجيع جمع وتسويق المنتجات الفلاحية ذات الجودة المتوسطة.
كما دعا إلى توضيح ضوابط تاريخ صلاحية المنتجات الغذائية، من خلال التمييز بين عبارة “صالح للاستهلاك إلى غاية” المرتبطة بالسلامة الصحية، و”يفضل استهلاكه قبل” المرتبطة بالجودة، مع إمكانية تمديد مدة صلاحية بعض المنتجات أو حذف تواريخ الصلاحية غير الضرورية متى توفرت الشروط لذلك.
واقترح المجلس أيضا إرساء آلية للحكامة متعددة الأطراف تجمع بين القطاعات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني لتنسيق التدخلات، إلى جانب إحداث مرصد وطني لضياع وهدر المواد الغذائية يتولى جمع المعطيات وإنتاج المؤشرات وإعداد مذكرات تحليلية واقتراح تدابير تصحيحية ملائمة.
كما أوصى بإدماج أهداف الحد من الهدر الغذائي في مختلف السياسات العمومية القطاعية، وإدراجها ضمن ميثاق “مثالية الإدارة”، خاصة على مستوى المرافق العمومية التي تقدم خدمات الإطعام مثل المستشفيات والمدارس ومراكز الرعاية الاجتماعية والمؤسسات السجنية.
ومن بين التوصيات الأخرى، تطوير البنيات التحتية الخاصة بالتخزين والنقل في المناطق ذات الإمكانات الفلاحية العالية، عبر توفير منشآت تخزين عازلة للعوامل الخارجية ومستودعات تبريد تعمل بالطاقة الشمسية، إضافة إلى إحداث وحدات للقرب لتحويل المنتجات الفلاحية، بما في ذلك وحدات صغرى متنقلة لمعالجة المحاصيل وتثمين المنتجات سريعة التلف محليا.
كما دعا المجلس إلى تشجيع المسالك القصيرة داخل سلاسل التسويق، وتعزيز تنظيم الأسواق للحد من تعدد الوسطاء وتقليص الخسائر المرتبطة بالنقل واللوجستيك، وتحفيز المقاولات على إدماج ممارسات إعادة التدوير وإعادة الاستعمال ضمن عمليات الإنتاج والتوزيع.
وأشار أعمارة إلى أهمية تشجيع المقاولات العاملة في مختلف حلقات السلسلة الغذائية على التبرع بالفوائض الغذائية المعرضة للضياع، وفقا لمقتضيات المدونة العامة للضرائب التي تتيح خصم تكاليف الهبات المقدمة لفائدة الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة.
كما دعا إلى تطوير تطبيقات رقمية لتدبير المخزون وتتبع مسار المنتجات وإعادة توزيع السلع غير المباعة، إضافة إلى دعم المبادرات المواطنة للحد من الهدر الغذائي مثل الثلاجات التضامنية وتطبيقات التبرع بالمواد الغذائية.
وأوضح رئيس المجلس أن هذا الرأي أُعد وفق مقاربة تشاركية شملت نقاشات بين مختلف مكونات المجلس، وجلسات إنصات مع الفاعلين المعنيين، إلى جانب استشارة مواطنة أطلقها المجلس عبر منصته الرقمية “أشارك”، والتي سجلت 1591 إجابة.
وبحسب نتائج هذه الاستشارة، فإن أبرز أسباب التخلص من المواد الغذائية تتمثل في تغير المظهر أو الرائحة بنسبة 25 في المائة، وتجاوز تاريخ الصلاحية بنسبة 21 في المائة، وضعف التخطيط للوجبات بنسبة 16 في المائة، وشراء كميات تفوق الحاجة بنسبة 12 في المائة، إضافة إلى نقص المعارف بأساليب الحفظ بنسبة 12 في المائة.
كما أظهرت النتائج أن الهدر الغذائي يشمل أساسا المنتجات المعلبة بنسبة 36 في المائة، تليها الوجبات السريعة التحضير بنسبة 35 في المائة، فيما تمثل المواد الغذائية الطازجة 23 في المائة من مجموع المنتجات التي يتم التخلص منها.
أما بخصوص التدابير المقترحة للحد من الهدر الغذائي، فقد اعتبر 29 في المائة من المشاركين أن شراء كميات تتناسب مع الاحتياجات الفعلية يعد أساسيا، بينما أشار 19 في المائة إلى أهمية التبرع بالمواد الغذائية قبل انتهاء صلاحيتها لفائدة الأشخاص في وضعية هشاشة، إضافة إلى التخزين الجيد للمواد الغذائية.








تعليقات
0