بعد نجاح المؤتمر الوطني 12 ، يتطلع الاتحاد الاشتراكي إلى مرحلة جديدة من الفعل السياسي المتجدد، عنوانها الانتقال من التنظيم إلى المبادرة، ومن التشخيص إلى الاقتراح، ومن المعارضة المسؤولة إلى المشاركة في صياغة البدائل الوطنية.
يراهن الحزب على بلورة رؤية اقتصادية واجتماعية جديدة تستجيب لانتظارات الطبقات المتوسطة والفقيرة، وتُعيد الاعتبار للعدالة المجالية والإنصاف الترابي، انسجامًا مع الرؤية الملكية لبناء دولة اجتماعية قوية.
كما يسعى إلى تجديد النخب السياسية عبر توسيع قاعدة الانخراط الحزبي للشباب والنساء والفاعلين الجدد في الاقتصاد والمجتمع المدني، وإلى فتح نقاش وطني واسع حول الإصلاحات الدستورية والانتخابية التي تضمن التوازن بين السلط وتكرّس المشاركة المواطِنة.
ويعتبر الاتحاد أن التحضير المبكر للاستحقاقات الانتخابية لسنتي 2026 و2027 ليس مجرد هدف انتخابي، بل رهان سياسي واستراتيجي لاستعادة الثقة في الفعل الحزبي، وتقديم بديل يساري تقدمي يُعيد للسياسة معناها النبيل.
وفي هذا السياق الوطني المتوتر، لا يمكن تجاهل مطالب الشباب المغربي التي عبّرت خلال الأشهر الأخيرة عن رفضها لسياسات حكومة التغوّل التي أجهضت أحلام فئات واسعة من المواطنين في الصحة والتعليم والشغل والعدالة الاجتماعية.
لقد شكّلت هذه المطالب الاجتماعية جرس إنذار سياسي واجتماعي، كشف عمق الفجوة بين وعود الحكومة وواقع الشباب المغربي، وأبرز الحاجة إلى تجديد الأمل عبر أحزابٍ اشتراكية وديمقراطية قادرة على حمل هموم المواطنين والتعبير عنها بجرأة ومسؤولية.
إن الاتحاد الاشتراكي، وهو يعقد مؤتمره الثاني عشر، أدرك أن الدفاع عن المطالب الاجتماعية للشباب هو جوهر المشروع الاتحادي منذ تأسيسه، وأن استعادة ثقة الجيل الجديد تمرّ عبر خطابٍ صادقٍ، وبرامج واقعيةٍ، وممارسةٍ سياسيةٍ تُعيد للكرامة معناها وللديمقراطية مضمونها الحقيقي.
بهذا الأفق، دخل الاتحاد الاشتراكي مؤتمره الوطني الثاني عشر وهو واعٍ بثقل المرحلة وتحدياتها، مؤمن بأن الزمن الاتحادي المقبل هو زمن المبادرة والتأثير والبناء، وأن المغرب يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى حزب يزاوج بين الوطنية والجرأة، بين العمق الاجتماعي والرؤية المستقبلية.
الاتحاد الاشتراكي، بهذا النفس التنظيمي والفكري، يؤكد أنه حزب لا يشيخ، بل يتجدد بفكر مناضليه، ويظل كما كان دائمًا ضمير الوطن وعقله الديمقراطي الحي.
يكتسي استحقاق 2026 أهمية مركزية، لا باعتباره مجرد موعد انتخابي، بل بوصفه لحظة حسم سياسي حقيقي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.
يتأكد اليوم أن الاتحاد الاشتراكي يتوفر على شروط سياسية وتنظيمية حقيقية تخوّله خوض هذا الاستحقاق بثقة ووضوح. وبفضل ثقة الناخبات والناخبين، يستطيع الحزب أن يتصدر المشهد السياسي، لا بمنطق الاستحواذ أو الإقصاء، بل بمنطق تصحيح المسار، ووضع حد لآثار التدبير الحكومي الحالي الذي عمّق الفوارق الاجتماعية وأضعف الثقة في الفعل العمومي.
وانطلاقًا من هذا التشخيص، يصبح الرهان في المستقبل رهانًا عدديًا بامتياز، يُقاس بعدد المقاعد في الانتخابات التشريعية، لأن الوصول إلى تدبير الشأن الوطني يمرّ حتمًا عبر امتلاك أغلبية برلمانية مريحة داخل الخريطة السياسية. فالمقاعد البرلمانية ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما الأداة الدستورية والسياسية التي تمكّن الحزب من تحويل اختياراته وبرنامجه إلى سياسات عمومية ملموسة، قادرة على تحسين شروط عيش المواطنين وإعادة الاعتبار لدور الدولة الاجتماعي.
لهذا السبب، يراهن الاتحاد الاشتراكي بشكل واعٍ ومسؤول على هذا الاستحقاق العددي، باعتباره المدخل الأساسي لتنزيل المشروع الاشتراكي الديمقراطي الذي يعمل على بلورته وإنضاجه في الأسابيع المقبلة. تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم إلا عبر تظافر الجهود، وتوحيد الطاقات، والانخراط الجماعي للقيادة والمناضلات والمناضلين، وللتنظيمات المحلية والإقليمية والجهوية، في معركة بناء أغلبية برلمانية قوية، تشكل شرطًا لازمًا لأي انتقال حقيقي من موقع المعارضة إلى موقع التدبير.
إن الرهان على المقاعد البرلمانية هو في جوهره رهان على القدرة على الفعل، وعلى امتلاك القوة السياسية الضرورية لتغيير موازين القرار، وإنهاء مرحلة التدبير المرتبك التي تعيشها البلاد. لذلك، لا يتردد الحزب في إعلان هذا الرهان العددي بوضوح كاختيار استراتيجي، لأن أي مشروع اشتراكي ديمقراطي، مهما بلغت جودته وعمقه، لن يرى طريقه إلى التنفيذ دون أغلبية سياسية واضحة وشرعية انتخابية قوية، تضع الحزب في قلب القرار الوطني وتمنحه الأدوات اللازمة لخدمة الصالح العام.
ومن هذا المنطلق، فإن الاستعداد لتحمّل مسؤولية 2026 كاملة لا يُختزل في شعار انتخابي أو وعد عابر، بل هو خيار سياسي وتنظيمي متكامل، يقوم علىالتأطير الجاد، والتنظيم المسؤول، والانفتاح الواعي على المجتمع. فنجاح هذا الاستحقاق يمر عبر إعادة الاعتبار للعمل الحزبي القاعدي، وتقوية الفروع، وتأهيل المناضلات والمناضلين للقيام بأدوارهم التأطيرية داخل الأحياء، والجامعات، وفضاءات الشغل، حتى يصبح الحزب حاضرًا في النقاش اليومي للمواطن، لا فقط في لحظات الانتخابات.
ويقتضي هذا المسار أيضًا تنظيمًا منضبطًا وقادرًا على ترجمة التوجهات الوطنية إلى مبادرات ميدانية وبرامج محلية قابلة للتنفيذ، تلامس انتظارات الناس وتستجيب لحاجياتهم الفعلية. كما يفرض تطوير أدوات الاشتغال، وتجديد أساليب التواصل، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل التنظيم، بما يجعل الحزب في مستوى lالثقة التي يطلبها من الناخبات والناخبين.
وفي الآن نفسه، يظل الانفتاح على مكونات المجتمع شرطًا أساسيًا لنجاح أي مشروع سياسي. انفتاح على الشباب والنساء، وعلى النقابات والجمعيات الجادة، وعلى المثقفين والكفاءات المحلية، دون وصاية أو استعلاء، بل بمنطق الشراكة والإنصات والتفاعل. اتحاد منفتح على محيطه، قادر على التقاط التحولات الاجتماعية وتحويل المطالب إلى سياسات عمومية، هو اتحاد مؤهل لقيادة مرحلة ما بعد 2026 بمسؤولية وثقة.
بهذا المعنى، فإن الرهان الذي نتحمّله اليوم، داخل القيادة السياسية وداخل الأقاليم، هو رهان العمل الجاد لا التبرير، والبناء المسؤول لا الصراخ، والاستعداد الكامل لتحمّل مسؤولية 2026 تأطيرًا وتنظيمًا وانفتاحًا، من أجل تحويل ثقة المواطنين إلى فعل سياسي مسؤول، يعيد للسياسة معناها، وللدولة دورها الاجتماعي، وللمواطن مكانته المستحقة.








تعليقات
0