تكشف معطيات الرقم الاستدلالي للإنتاج الصناعي والطاقي والمعدني الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عن صورة أقل تفاؤلاً مما قد توحي به بعض مؤشرات النمو المسجلة في الصناعات التحويلية. فخلف تحسن بعض الفروع الصناعية، تظهر مجموعة من الإشارات التي تعكس هشاشة بنية الإنتاج الصناعي بالمغرب واستمرار اعتماده الكبير على الطلب الخارجي ودورات الاقتصاد الدولي.
وتبرز قراءة الأرقام أن عدداً من القطاعات الصناعية التي تشكل تقليدياً ركيزة الصادرات المغربية سجلت تراجعاً خلال الفصل الرابع من سنة 2025، في وقت واصلت فيه بعض الصناعات الأخرى تسجيل نمو محدود لا يكفي بالضرورة لتعويض هذا التراجع.
تراجع صناعة السيارات يطرح تساؤلات
من أبرز المؤشرات السلبية التي كشفت عنها المعطيات تراجع إنتاج صناعة السيارات بنسبة 6.2 في المائة خلال الفصل الرابع من سنة 2025. ويكتسي هذا التراجع أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها صناعة السيارات في الهيكل الصناعي المغربي باعتبارها أحد أهم قطاعات التصدير وجذب الاستثمارات الأجنبية.
ويعكس هذا التطور حساسية الصناعة المغربية للتقلبات التي تعرفها الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها صناعة السيارات عالمياً مع الانتقال نحو السيارات الكهربائية وإعادة تنظيم سلاسل التوريد الصناعية.
تراجع الصناعات التكنولوجية
تشير المعطيات أيضاً إلى تراجع إنتاج التجهيزات المعلوماتية والمنتجات الإلكترونية والبصرية بنسبة 12.6 في المائة، وهو من بين أكبر معدلات الانخفاض المسجلة داخل القطاع الصناعي.
هذا التراجع يسلط الضوء على التحديات التي تواجه الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة، والتي ما تزال تشكل جزءاً محدوداً من النسيج الصناعي المغربي، كما تبقى مرتبطة بشكل كبير بتقلبات الطلب العالمي على المنتجات الإلكترونية.
استمرار ضعف صناعة النسيج
بدورها سجلت صناعة الملابس انخفاضاً بنسبة 4.7 في المائة خلال الفترة نفسها، وهو تطور يعكس استمرار الصعوبات التي يعرفها قطاع النسيج والملابس في مواجهة المنافسة الدولية، خاصة من الدول الآسيوية التي تتمتع بتكاليف إنتاج أقل.
ويأتي هذا التراجع في وقت يواجه فيه القطاع تحديات مرتبطة بارتفاع كلفة الإنتاج والطاقة، إضافة إلى تغير أنماط الاستهلاك في الأسواق الأوروبية التي تشكل الوجهة الرئيسية للصادرات المغربية في هذا المجال.
تقلبات الصناعات الاستخراجية
على مستوى الصناعات الاستخراجية، سجل الرقم الاستدلالي انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة خلال الفصل الرابع من سنة 2025 مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.
ويعزى هذا التراجع أساساً إلى انخفاض إنتاج الفروع الاستخراجية غير المعدنية بنسبة 4.6 في المائة، وهو ما يعكس حساسية هذا القطاع لتقلبات الطلب العالمي على المواد الأولية والأسعار الدولية للمعادن.
ورغم أن القطاع سجل نمواً سنوياً يقارب 7 في المائة خلال مجمل سنة 2025، فإن التراجع المسجل في نهاية السنة يعكس استمرار الطابع الدوري لهذا النشاط الاقتصادي.
بنية صناعية غير متوازنة
تعكس هذه المؤشرات وجود اختلالات داخل البنية الصناعية للمغرب، حيث تظل بعض القطاعات الصناعية الحيوية عرضة للتقلبات الخارجية، في حين أن القطاعات التي تحقق نمواً لا تزال محدودة من حيث الوزن الاقتصادي أو القيمة التكنولوجية.
كما يظهر أن الاقتصاد الصناعي المغربي ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الصناعات المرتبطة بسلاسل القيمة الدولية، وهو ما يجعله حساساً لأي تغير في الطلب العالمي أو في تنظيم الإنتاج الصناعي العالمي.
تحديات إعادة التوازن الصناعي
في المحصلة، تكشف معطيات الإنتاج الصناعي خلال نهاية سنة 2025 أن الصناعة المغربية تواجه مرحلة دقيقة تتطلب إعادة التوازن بين مختلف القطاعات الصناعية.
فبينما تسجل بعض الصناعات التحويلية نمواً نسبياً، فإن تراجع قطاعات استراتيجية مثل السيارات والإلكترونيات والنسيج يعكس الحاجة إلى تعزيز التنويع الصناعي وتطوير الصناعات ذات القيمة التكنولوجية المرتفعة القادرة على تحقيق استقرار أكبر في النمو الصناعي.








تعليقات
0