السي عبد الرحيم بوعبيد وقضية الصحراء: حين تكون الديموقراطية شرط الوطنية الصادقة

ittihadpress الخميس 8 يناير 2026 - 23:25 l عدد الزيارات : 94659

إيمان الرازي

في الثامن من يناير من كل سنة، يستحضر الاتحاديون، ومعهم كل الديمقراطيين في هذا الوطن، ذكرى رحيل المجاهد السي عبد الرحيم بوعبيد لما لهذه اللحظة من رمزية لمساءلة الحاضر، واستدعاء لجوهر مشروع وطني ديمقراطي كان الفقيد أحد أبرز معمارييه. فبوعبيد لم يكن زعيما سياسيا عاديا، ولا مجرد اسم في تاريخ الحركة الوطنية، ولا مهندسا لاستراتيجية النضال الديموقراطي، لكنه شكل في زمنه المر، ضميرا حيا اختار فيه أن يجعل من الموقف المبدئي بوصلة لا تحيد، حتى حين يكون الثمن باهظا.

شكلت قضية الصحراء المغربية إحدى أكثر القضايا التي كشف فيها معدن المجاهد السي عبد الرحيم بوعبيد السياسي والأخلاقي، فقد آمن، منذ اللحظة الأولى، بأن الصحراء ليست ملفا ترابيا فقط، لكنه يمتد لقضية ديمقراطية بامتياز، وأن الدفاع عنها لا يستقيم خارج مشروع بناء دولة الحق والقانون، دولة المواطنة، والمؤسسات، والشرعية الشعبية. ومن هذا المنطلق، لم يتعامل بوعبيد مع القضية بمنطق التعبئة العاطفية ولا بمنطق الاصطفاف الأعمى، لكن بمنطق وطني نقدي يربط بين الوحدة الترابية والديمقراطية السياسية.

من البداية، كان السي عبد الرحيم بوعبيد واضحا: لا خوف على مغربية الصحراء إذا كانت الدولة قوية بمؤسساتها، ديمقراطية بممارساتها، عادلة في توزيع السلطة والثروة، لأنه كان يرى أن أي حل لا يمر عبر احترام ذكاء الشعب وحقه في الاختيار، حل مؤجل الانفجار.

هذا الموقف، الذي قد يبدو اليوم بديهيا في أعين الديمقراطيين، كان في زمنه جريئا إلى حد المغامرة. فقد دفع المجاهد بوعبيد ثمنه اعتقالا ظالما، في لحظة كان فيها الخلط متعمدا بين النقد السياسي والخيانة، وبين الاختلاف والعداء للوطن. ومع ذلك، لم يتراجع، ولم يناور، ولم يستعمل اللغة المزدوجة حمالة الأوجه.

لقد أدرك عبد الرحيم بوعبيد، مبكرا، أن قضية الصحراء المغربية ستظل رهينة ما لم تحسم في إطار مشروع ديمقراطي شامل. لذلك، كان يربط دائما في كلماته بين الدفاع عن الوحدة الترابية والنضال من أجل ملكية برلمانية حقيقية، بسلطات واضحة، ومساءلة فعلية، وتوازن كلي بين المؤسسات، يشكل ضمانة للاستقرار، وتقوية للجبهة الداخلية.

ومن هنا، فإن استحضار قائدنا الملهم بوعبيد اليوم لا يمكن أن يكون طقسا للذكرى أو التوثيق فقط، لكنه استحضار أخلاقي وسياسي، خاصة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والرعيل المؤسس وضمنه السي عبد الرحيم، ممن أسسوا لمدرسة سياسية فارقة في المعارضة الوطنية المسؤولة، معارضة لا تساوم في الثوابت، ولا تفرط بالمقابل، في الديمقراطية.

إن قضية الصحراء المغربية، كما فهمها المجاهد السي عبد الرحيم بوعبيد، لا تزال إلى اليوم مرآة تعكس مستوى نضجنا السياسي، وبوصلة لاستشراف الآتي، فنحن من ربطنا حلها بإصلاح سياسي عميق، وببناء دولة المواطنة، في أفق الحل المحقق العادل والدائم الذي عززه القرار الأممي الأخير.

في ذكرى رحيله، يبدو طرح السي عبد الرحيم بوعبيد أكثر راهنية ، لأن الأسئلة التي طرحها ربما لم تُحسم بعد، ولأن الجرأة السياسية مطلوبة في كل مرحلة، وأن حب الوطن لا يعني الصمت، وأن الدفاع عن الصحراء المغربية لا ينفصل عن الدفاع عن الوطن، دون أن نفقد حمضنا النووي الاتحادي: روح النقد البناء، وروح الاستقلالية، وروح الانحياز الصادق للقضايا العادلة المنتصرة دائما.

هكذا فقط، يتحول الثامن من يناير من ذكرى رحيل حزين إلى وعد صادق متجدد، بأن مشروع السي عبد الرحيم بوعبيد لم يمت، بل ينتظر من يحمله بصدق، في مغرب قطع أشواطا كبيرة في معاركه الكبرى والمفتوحة على المستقبل.
– دة إيمان الرازي أستاذة جامعية وعضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image