في خضم الارتفاع الحاد لأسعار النفط العالمية نتيجة التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، تتجه الدول إلى خيارات متباينة لاحتواء الصدمة الطاقية والحد من انعكاساتها على الاقتصاد والمجتمع. وبينما اختارت إيطاليا التدخل المباشر لتخفيض أسعار الوقود، راهن المغرب على دعم قطاع النقل، في مقاربة تثير نقاشًا واسعًا حول مدى نجاعتها في حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
في روما، أعلنت الحكومة الإيطالية أمس الأربعاء عن خفض سعر لتر البنزين بنحو 0,25 يورو، إلى جانب إجراءات ضريبية موجهة لمهنيي النقل وآليات لمحاربة المضاربة، بهدف كبح انتقال ارتفاع كلفة الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات. هذا الخيار يعكس إرادة سياسية واضحة للتدخل في السوق وضبط الأسعار بشكل مباشر، بما يضمن أثرًا فوريًا يشعر به المستهلك.
في المقابل، اختار المغرب تفعيل دعم استثنائي لفائدة مهنيي النقل الطرقي للأشخاص والبضائع، دون المساس بنظام تحرير أسعار المحروقات المعتمد منذ 2015. وتروم هذه الخطوة التخفيف من كلفة النقل، باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في تحديد أسعار المواد الأساسية، على أمل أن ينعكس ذلك بشكل غير مباشر على السوق.
غير أن التجارب السابقة، سواء خلال أزمة جائحة كورونا أو تداعيات الحرب في أوكرانيا، أظهرت أن الدعم الموجه للمهنيين لا يضمن بالضرورة انخفاض الأسعار بالنسبة للمستهلك النهائي. إذ غالبًا ما تتدخل عوامل الوساطة وهوامش الربح لتحد من انتقال الأثر الإيجابي، ما يعيد طرح إشكالية مراقبة السوق وضبط سلاسل التوزيع.
ويزداد هذا النقاش حدة في ظل الاتهامات المتكررة لشركات توزيع المحروقات بتحقيق أرباح مرتفعة، في سياق سوق محررة تفتقر إلى آليات فعالة لضبط الأسعار أو تحديد هوامش الربح. كما أن غياب الشفافية في تحديد الكلفة الحقيقية للوقود يعمق فجوة الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين.
اقتصاديًا، يظل لكل خيار كلفته. فالتدخل المباشر في الأسعار، كما هو الحال في إيطاليا، يثقل كاهل الميزانية العمومية، لكنه يحقق استقرارًا سريعًا في السوق. أما الدعم غير المباشر، كما في المغرب، فيحافظ على التوازنات المالية، لكنه يظل رهينًا بمدى التزام الفاعلين بنقل أثر الدعم إلى المستهلك.
في المحصلة، يتجاوز النقاش مجرد المفاضلة بين نموذجين، ليطرح سؤالًا أعمق يتعلق بفعالية السياسات العمومية في مواجهة الأزمات. فحماية القدرة الشرائية لا تتحقق فقط عبر ضخ الدعم، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل الشفافية، والمراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي ظل استمرار التقلبات في أسواق الطاقة، يبقى التحدي الحقيقي أمام المغرب هو الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى بناء سياسة طاقية متماسكة، قادرة على التوفيق بين متطلبات السوق وحماية المستهلك، بما يضمن استقرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا.








تعليقات
0