إيران، الخليج وأمريكا.. الحرب ما بين المشاعر وموازين القوة

abdelhamid الخميس 19 مارس 2026 - 16:24 l عدد الزيارات : 39452

لعل كل السلطة المعنوية، أو السلطة المرجعية التي اكتسبتها الولايات المتحدة، في القرن الماضي، ثم في بداية القرن الحالي، جاءتها من “التفويض” الأخلاقي الذي منحه إياها العالم الغربي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وما من شك أن طلب الحلفاء تدخل أمريكا في الحرب، واستجابتها بعد التعرض لهجوم اليابان العسكري في بيرل هاربور، هو الذي وضع قاعدة السلطة التي نحن بصددها.
وبالرغم من لحظات التجاوز القاسية التي مارستها واشنطن في العديد من التدخلات خارج مدارها الحيوي، والتي همت -التجاوزات – العلاقة مع الأمم المتحدة أكثر منها العلاقة مع حلفائها غربا وشرقا(حرب العراق مثال حي)، فإن الاهتزاز الذي مس التحالف في الحرب على إيران قوي للغاية، وبات مطروحا، عمليا، أن أمريكا تجاوزت الحلفاء أنفسهم، سواء في المعسكر الغربي، أو في حلف الناتو، كما الحلفاء في الشرق العربي، ولاسيما دول الخليج، إنها الحرب دون الحلفاء، مما يوثر على “أسطورة” أمريكا كلها في الحديث باسم العالم الحر.
نلاحظ اليوم مظهرين لهذا الفراغ في العلاقة مع الحلفاء:
أولا، على مستوى الخليج العربي، حيث تبين أن الحلفاء لم يستشاروا في الحرب، كما يتضح من عدم مغامرتهم بالدخول فيها على المدى الطويل، وهو ما تريده إيران نفسها.
لعل دول الخليج اليوم، على مرمى حجر من إعادة النظر في “تجديد تعاقداتها الاستراتيجية مع حليفها الأمريكي”.
ولا يمكن تفسير عقلانية التعامل مع الحرب إلا من زاوية عدم دخولها فيها، بدون استشارتها وكأمر واقع من طرف الأمريكيين والإسرائيليين أولا، ثم من طرف الإيرانيين.
بالنسبة لإيران، التي تراهن علي الوقت في إدارة حرب غير متكافئة عسكريا، يمكن اعتبار الضربات الموجهة إلى الدول المجاورة ذات هدف مرحلي، وإقليمي، وذات هدف دولي أوسع.
الهدف الاقليمي المحلي هو توجيه ضربات إلى حلقة تراها هي الأضعف، بحسابين يبدوان متناقضين:
ـ من جهة يمكن للضربات أن تفضي إلى فك الارتباط كليا، في زمن هاته الحرب، على أقل تقدير، بين واشنطن وحلفائها في المنطقة.
ـ أو دفع هاته الدول إلى الضغط على أمريكا من أجل وقف حرب لم تستشر فيها، وبالتالي عدم الميل كليا إلى خطة نتانياهو الهوجاء.
أما الهدف الأبعد فإن إيران ولا شك، التي استعدت للحرب الطويلة، تريد أن تصيب الاقتصاد الرأسمالي، محليا ودوليا، في مقتل، فهي تدرك بأن امتصاص الضربات العسكرية والاغتيالات، لن يكون له تأثير دون ضربات للاقتصاد العالمي وشرايينه، كما هو مجسد في الجوار العربي، ماليا واقتصاديا وتجاريا، وبهذا يمكن أن نفسر الضربات التي لا تقتصر على القواعد الأمريكية، وهو أمر لا يصدقه حتى الإيرانيون أنفسهم…
تريد إيران أن توجع المعسكر الرأسمالي الغربي، بضرب شريانه النفطي والتجاري، وتأليبه ضد حرب ترامب، وهو ما يقودنا إلى الحديث عن الحليف الغربي الواسع، وعلاقته بالهدف الإيراني، و يتضح من فشل واشنطن في تعبئة حلفائها الرأسماليين حول مخطط الحرب في مضيق هرمز عدم مسايرة أغلب العواصم لها في الخطة التي وضعها ترامب للإبقاء عليه مفتوحا.

لا أحد من المحللين يمكن أن يغامر اليوم بالقول إن التوازن العسكري يميل لصالح إيران، لكن رهانها على الزمن والضربات الإقليمية وردة فعل المجتمع الغربي الرأسمالي إلخ، علاوة على العداوات التي اكتسبها ترامب من قبل الحرب، خصوصا الحروب الاقتصادية والجمركية وإعادة تشكيل التوازن الدولي على قاعدة القوة الأمريكية… كل هاته العناصر تبين بأن الإدارة الأمريكية لم تعبيء حلفاءها في كل أركان العالم، في شرق العربي وفي أوروبا وغيرهما، بالتالي تخوض حربا بحسابات خاصة في قلبها حسابات إسرائيل.
السؤال الذي لابد من طرحه بفرعين:
هو هل ستواصل واشنطن الحرب إلى حين التدمير الشامل لقدرات إيران على الصمود؟ وما هو مستقبل علاقات إيران مع دول الخليج؟
في الواقع، السؤالان مرتبطان في ما بينهما:
الدول الخليجية أثبتت واقعية عسكرية وعقلانية في التعامل مع الحرب، ولم تجتز الخطوات الصعبة من قبيل الدخول في حرب، ولعل إيران تدرك بأن هذا الفعل سيكون له تأثير كبير على علاقتها بدول الخليج، وأن الحرب ستترك آثارها على النفس وفي السياسات ولدى الشعوب، وما من شك أن مشاعر العداء ستكون قوية وممتدة في الزمن.
لكن ذلك لا يلغي من التفكير ضرورة استحضار موازين القوة، ولعلها تعول على أن تدبر مرحلة ما بعد الحرب بمنطق التقارب، أو منطق القوة ذاتها إن خرجت كاملة منها. وهو ما قد يزيد من قوتها…
ولعل بقاءها في مستوى من القوة التي تسمح لها بأن تلعب أدوار حاسمة في المنطقة مستقبلا، قد يسير في اتجاه خطط بديلة لواشنطن وتل أبيب، بمعنى أن الطرف المهاجم قد يترك بعض القوة لإيران كي تظل فزاعة جيوستراتيجية لهذه الدول، وبالتالي يدفع إلى مرحلة جديدة من بعد يبقى فيها توازن الرعب* في المنطقة لصالح أطراف الصراع الثلاثة: إيران، تلعب أدوارها كقوة لا بديل لها وإسرائيل تستفيد من فزاعتها في تطوير التقارب مع دول الخليج، مقابل أدوار تحكيمية لواشنطن…
من يدري؟ فالحرب التي لا تقتل… “تسمن” !
الخليج لن ينسى ذلك، لكن دوله قامت بتجنب الحرب،
وطهران تعرف أن المشاعر سلبية ضدها… ولكن أهل الخليج تأمل أن يعودوا للتأقلم مع ميزان القوة في منطقة لها شأن …

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image