يشير تطور وضعية التحملات ومداخيل الخزينة عند متم فبراير 2026 إلى بداية سنة مالية صعبة، عنوانها الأبرز اتساع عجز الميزانية إلى 34,5 مليار درهم، مقابل 24,8 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. هذا الفارق، الذي يناهز 10 مليارات درهم، يعكس اختلالًا واضحًا بين وتيرة تحصيل الموارد وحجم الإنفاق العمومي.
تراجع الإيرادات.. مؤشر مقلق في بداية السنة
أبرزت المعطيات الرسمية تسجيل انخفاض في المداخيل الإجمالية بنحو 2,5 مليار درهم، أي بنسبة 4,7 في المائة، مع معدل إنجاز لم يتجاوز 11,8 في المائة من توقعات قانون المالية. ويُظهر هذا الأداء أن وتيرة تعبئة الموارد العمومية لا تواكب الحاجيات التمويلية، خصوصًا في سياق اقتصادي يتسم بتباطؤ نسبي في بعض القطاعات.
وتزداد الصورة وضوحًا عند تحليل الإيرادات الضريبية، التي تراجعت بدورها بـ2,9 مليار درهم (ناقص 5,6 في المائة)، رغم بلوغ معدل إنجاز في حدود 13,3 في المائة. هذا التراجع يطرح تساؤلات حول دينامية النشاط الاقتصادي، وكذا فعالية بعض الإجراءات الجبائية في تحفيز التحصيل دون التأثير على القدرة الشرائية والاستثمار.
في المقابل، ارتفعت المبالغ المستردة والإعفاءات الضريبية إلى 4,3 مليار درهم، وهو ما يقلص صافي الموارد المتاحة للخزينة، ويزيد الضغط على التوازنات المالية.
النفقات العمومية.. استثمار متسارع وضغط على التوازنات
على مستوى النفقات، سجلت الميزانية ارتفاعًا إجماليًا بـ7,2 مليار درهم، مدفوعًا أساسًا بزيادة نفقات الاستثمار التي بلغت 23,1 مليار درهم، بارتفاع قوي قدره 6,3 مليار درهم مقارنة بسنة 2025. هذا التوجه يعكس استمرار الدولة في دعم المشاريع الكبرى والبنيات التحتية، لكنه يطرح في الآن ذاته تحدي التمويل في ظل محدودية الموارد.
أما النفقات العادية، فقد استقرت عند 73,9 مليار درهم مع تراجع طفيف، نتيجة انخفاض تكاليف المقاصة بـ1,3 مليار درهم، وهو عامل خفف نسبيًا من الضغط. غير أن هذا الأثر الإيجابي قابله ارتفاع في نفقات السلع والخدمات، إضافة إلى زيادة فوائد الدين بـ4,6 في المائة، ما يعكس تنامي كلفة المديونية.
عجز هيكلي يتعمق
أفرزت هذه التطورات عجزًا في الرصيد العادي بلغ 22,7 مليار درهم، مقابل 20,8 مليار درهم قبل سنة، وهو مؤشر على استمرار الاختلال الهيكلي في المالية العمومية، حيث لا تغطي الموارد العادية النفقات الأساسية.
ورغم تحقيق الحسابات الخاصة للخزينة فائضًا بـ11,4 مليار درهم، إلا أنه يبقى أقل من مستوى السنة الماضية، ما يحد من قدرته على امتصاص جزء من العجز الإجمالي.
قراءة في الدلالات الاقتصادية
المعطيات المسجلة عند متم فبراير تعكس معادلة دقيقة تواجه المالية العمومية:
-
من جهة، ضرورة الحفاظ على مستوى مرتفع من الاستثمار العمومي لدعم النمو وتحفيز الاقتصاد.
-
ومن جهة أخرى، محدودية الموارد وتراجع الإيرادات، ما يوسع فجوة العجز.
كما تبرز الأرقام تنامي عبء خدمة الدين، وهو عنصر قد يزداد ثقله في الأشهر المقبلة إذا استمر منحى العجز، ما يفرض اللجوء إلى مزيد من التمويلات.
أي أفق لبقية سنة 2026؟
إذا استمرت نفس الاتجاهات خلال الأشهر المقبلة، فإن التحكم في عجز الميزانية سيظل رهينًا بثلاثة عوامل رئيسية:
-
تحسين تحصيل الإيرادات، خصوصًا الجبائية؛
-
ضبط وتيرة النفقات، دون المساس بالاستثمار المنتج؛
-
التحكم في كلفة المديونية.
في المحصلة، تكشف بداية سنة 2026 عن ضغط مالي واضح على الخزينة، يستدعي يقظة أكبر في تدبير التوازنات، خاصة في ظل سياق دولي متقلب وتحديات داخلية مرتبطة بالنمو والتضخم.








تعليقات
0