دخلت حرب الشرق الأوسط، السبت، مرحلة أكثر خطورة بعد تنفيذ إيران ضربة صاروخية استهدفت مدينة ديمونا في جنوب إسرائيل، حيث تقع منشأة نووية رئيسية، وذلك ردا على استهداف منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية. ويؤشر هذا التطور إلى اتساع دائرة المواجهة، مع تصاعد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مستوى أشد خطورة يلامس المنشآت النووية مباشرة.
وأفاد الجيش الإسرائيلي بوقوع ضربة صاروخية مباشرة على مبنى في ديمونا، بعدما أظهرت تسجيلات متداولة ارتطام جسم متفجر وسقوطه بسرعة كبيرة، متسببا في كرة لهب ضخمة. كما أظهرت لقطات من المكان حفرة كبيرة في الأرض، وسط ركام واسع وأضرار جسيمة في واجهات المباني المحيطة بموقع الارتطام.
ديمونا في قلب التصعيد
تكتسي ديمونا حساسية خاصة، باعتبارها تحتضن المنشأة النووية الرئيسية في إسرائيل، في ظل استمرار سياسة الغموض التي تعتمدها تل أبيب بشأن برنامجها النووي. وتقول إسرائيل رسميا إن مفاعل ديمونا مخصص للأغراض البحثية، من دون أن تؤكد أو تنفي امتلاكها أسلحة نووية، فيما تشير تقديرات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى امتلاكها 90 رأسا نوويا.
وأعلنت خدمة الإسعاف الإسرائيلية إصابة أكثر من 30 شخصا جراء الهجوم، معظمهم بسبب شظايا الصاروخ. وفي وقت لاحق، تحدثت المصادر نفسها عن إصابة نحو 30 شخصا آخرين في بلدة عراد، الواقعة على بعد نحو 25 كيلومترا شمال شرق ديمونا، بعد إنذار بإطلاق صواريخ إضافية من إيران.
إيران: الرد على نطنز
في المقابل، قال التلفزيون الرسمي الإيراني إن الهجوم على ديمونا جاء ردا على قصف منشأة نطنز النووية في وقت سابق من السبت. وكانت المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية قد أفادت بأن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا هجوما صباحا على المنشأة الواقعة تحت الأرض في محافظة أصفهان، والتي تضم أجهزة طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم.
لكن الجيش الإسرائيلي قال إنه ليس على علم بوقوع ضربة على نطنز، في ما يفتح الباب أمام فرضية أن تكون العملية أميركية. ومع ذلك، فإن انتقال الضربات إلى هذا المستوى الحساس يعكس تحولا نوعيا في طبيعة الحرب، بعدما باتت المنشآت النووية حاضرة بشكل مباشر في قلب المواجهة.
تحذيرات من مخاطر كارثية
بعد هذا التصعيد، دعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس العسكري. وكان مديرها رافايل غروسي قد دعا، في وقت سابق، إلى ضبط النفس عقب الهجوم على نطنز، تفاديا لأي خطر قد يؤدي إلى حادث نووي. وأكدت الوكالة التابعة للأمم المتحدة عدم رصد أي إشعاعات بعد الحادثين. كما وصفت الخارجية الروسية الضربات على منشأة نطنز بأنها غير مسؤولة.
ويكشف هذا التحذير الدولي أن القلق لم يعد محصورا في توسع الحرب جغرافيا، بل في احتمال التسبب بحادث نووي قد تكون له انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة.
السعودية تطرد دبلوماسيين إيرانيين
بالتوازي مع التصعيد الميداني، أعلنت السعودية طرد الملحق العسكري الإيراني ومساعده وثلاثة من أعضاء طاقم البعثة الدبلوماسية، واعتبارهم أشخاصا غير مرغوب فيهم، مع مطالبتهم بمغادرة المملكة خلال 24 ساعة. وجددت الخارجية السعودية إدانتها لما وصفته بالاعتداءات الإيرانية السافرة.
ويعكس هذا القرار اتساع التداعيات السياسية والإقليمية للحرب، في وقت لم تعد فيه المواجهة مقتصرة على إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل بدأت تدفع دولا أخرى في المنطقة إلى اتخاذ مواقف أكثر حدة.
واشنطن تضغط في هرمز
في الموازاة، أعلن الجيش الأميركي تدمير منشأة تحت الأرض في إيران كانت تستخدم لتخزين صواريخ كروز مضادة للسفن، معتبرا أن ذلك أسهم في تقليص قدرة طهران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز. وقال قائد القيادة المركزية الأميركية إن الضربة استهدفت أيضا مواقع دعم استخباراتي ورادارات موجهة للصواريخ كانت تستخدم لرصد تحركات السفن.
وأكد المسؤول العسكري الأميركي أن واشنطن لن تتوقف عن ملاحقة هذه الأهداف، في إشارة واضحة إلى استمرار الضغط العسكري على القدرات الإيرانية المرتبطة بالملاحة والطاقة.
تحالف بحري آخذ في التشكل
وفي تطور مواز، أعلنت 22 دولة، معظمها أوروبية إضافة إلى البحرين والإمارات، استعدادها للمساهمة في الجهود الرامية إلى ضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز. وأدانت هذه الدول الهجمات الإيرانية على السفن التجارية غير المسلحة والبنية التحتية المدنية، بما فيها منشآت النفط والغاز، وكذلك الإغلاق الفعلي للمضيق. كما دعت دول مجموعة السبع إيران إلى الوقف الفوري وغير المشروط لهجماتها.
أما وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، فقال إن القيود تشمل فقط سفن الدول المنخرطة في الهجمات على بلاده، مؤكدا أن المضيق مفتوح من وجهة نظر طهران أمام سفن الدول الأخرى.
النفط يرتفع وإيران تراهن على الصمود
أدى هذا التوتر إلى ارتفاع أسعار النفط الخام، إذ زاد سعر برميل خام برنت بأكثر من 50 في المائة خلال الشهر الماضي، متجاوزا 105 دولارات للبرميل. وفي الوقت نفسه، يرى محللون أن إيران ما زالت تحتفظ بقدرة على الصمود، رغم اغتيال عدد من قادتها، وأن قدراتها الهجومية ما تزال تتيح لها مواصلة الضربات بين أربعة وستة أسابيع إضافية.
كما أكد مصدر رسمي بريطاني أن طهران حاولت، من دون جدوى، استهداف قاعدة دييغو غارسيا الأميركية البريطانية في المحيط الهندي، في خطوة قرأها محللون باعتبارها رسالة استراتيجية تؤكد أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية بعيدة المدى.
ونقل التقرير عن الباحث في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ قوله إن هذه الضربة ليست ذات فائدة ميدانية مباشرة بقدر ما تمثل رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل مفادها أن سوء تقدير تصميم إيران وقدراتها قد يكون مكلفا.
تصعيد مفتوح على كل الاحتمالات
تظهر المعطيات الميدانية والسياسية أن الحرب في الشرق الأوسط دخلت مستوى جديدا من التصعيد، مع انتقال الضربات إلى مواقع ذات حساسية نووية، وتوسع الضغوط على الملاحة الدولية، وارتفاع منسوب الاستنفار الإقليمي والدولي. كما أن اتساع رقعة الردود المتبادلة يضاعف المخاوف من انفلات أكبر قد ينعكس على أمن المنطقة وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي برمته.








تعليقات
0