عادت الحرب في الشرق الأوسط لتضغط بقوة على الاقتصاد العالمي، مع دخولها يومها الخامس والعشرين، بعدما انعكست تطورات الميدان والتصريحات السياسية مباشرة على أسواق النفط والعملات والأسهم، وسط تصاعد المخاوف من اضطراب الإمدادات وعودة التقلب الحاد إلى السوق الدولية. ورغم بعض المؤشرات التي توحي بإمكانية خفض التصعيد، فإن حالة الضبابية ما تزال مسيطرة، بما يفرض على المستثمرين والحكومات الاستعداد لمرحلة جديدة من عدم اليقين الاقتصادي.
وسجلت أسعار النفط، صباح الثلاثاء، ارتفاعا طفيفا بعد تراجع حاد تجاوز 10 في المائة في أعقاب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمح فيها إلى احتمال خفض حدة الصراع. غير أن الأسواق سرعان ما استعادت حذرها مع استمرار الترقب لمآل المواجهة، خاصة في ظل الحديث عن مهلة جديدة منحت لإيران حتى نهاية الأسبوع قبل استهداف محطات الطاقة الإيرانية في حال تواصل حصار مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، ارتفع خام برنت بنسبة 2,91 في المائة ليصل إلى 102,85 دولارا للبرميل، كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3,03 في المائة إلى 90,80 دولارا. ويعكس هذا الارتفاع حجم القلق القائم بشأن أمن الإمدادات العالمية، خصوصا بعد الإشارة إلى أن عددا محدودا فقط من ناقلات النفط ما يزال يعبر مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة الطاقة في العالم.
وتتزايد حساسية الأسواق مع تضارب الإشارات الصادرة من واشنطن وطهران بشأن فرص التفاوض. فبينما تحدثت الإدارة الأميركية عن اتصالات ومفاوضات محتملة، نفت وزارة الخارجية الإيرانية خوض أي مفاوضات مباشرة منذ اندلاع النزاع، مع تأكيدها في المقابل تلقي رسائل أميركية عبر دول وصفتها بالصديقة، تطلب التباحث من أجل إنهاء الحرب. هذا التباين يفسر استمرار التقلبات الحادة، إذ باتت الأسواق تتفاعل مع كل تسريب أو تصريح جديد يتعلق بمصير المفاوضات أو مستقبل الملاحة في المضيق.
وفي سوق العملات، تعافى الدولار الأميركي بشكل طفيف أمام الين الياباني، في إشارة إلى استمرار بحث المستثمرين عن أدوات التحوط في ظل التوترات الجيوسياسية. وفي المقابل، تراجع الذهب لليوم العاشر على التوالي بنسبة 0,46 في المائة، في حركة تعكس إعادة تموقع المستثمرين بين الملاذات الآمنة التقليدية، في وقت ما تزال فيه الرؤية غير واضحة بخصوص المسار النهائي للأزمة.
أما أسواق الأسهم، فقد أظهرت بدورها قدرا من التردد، رغم افتتاح البورصات الأوروبية على ارتفاعات طفيفة شملت باريس وفرانكفورت ولندن. وفي آسيا، استعادت مؤشرات رئيسية بعض خسائرها بعد تراجعات قوية في الجلسة السابقة، إذ أنهى مؤشر نيكاي الياباني التداولات على ارتفاع بنسبة 1,43 في المائة، وصعد مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة 2,7 في المائة. كما سجلت وول ستريت، في تعاملات الاثنين، انتعاشا محدودا بعدما ربح كل من داو جونز وناسداك وستاندرد آند بورز 500 مكاسب متفاوتة، من دون أن يبدد ذلك القلق العام بشأن هشاشة المزاج الاستثماري العالمي.
وفي تطور يعكس حجم المخاوف من أزمة إمدادات محتملة، أعلنت اليابان أنها ستفرج عن جزء إضافي من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية ابتداء من الخميس، لضمان تزويد مختلف مناطق البلاد بالمنتجات البترولية. وكانت طوكيو قد بدأت بالفعل خلال الأسبوع الماضي السحب من احتياطيات يملكها القطاع الخاص، قبل أن توسع العملية لتشمل مخزونات حكومية، إضافة إلى الاستفادة من منشآت تخزين مشتركة داخل اليابان مع السعودية والإمارات والكويت.
ورغم هذه التطورات، يذهب بعض الفاعلين الاقتصاديين إلى أن تداعيات الحرب قد لا تقود بالضرورة إلى موجة تضخم حادة، بل إلى تباطؤ في النمو العالمي مصحوب بارتفاع محدود في الأسعار. وفي هذا الإطار، اعتبر رئيس اتحاد أصحاب الشركات الفرنسية أن التأثير المرجح يتمثل أساسا في ضعف وتيرة النمو، مع زيادة معتدلة في التضخم قد تبقى في حدود بضعة أعشار النقطة، تبعا لتطورات الوضع الميداني وأسعار الطاقة.
لكن داخل قطاع الطاقة نفسه، تبدو التقديرات أكثر حذرا. فقد حذر مسؤولون تنفيذيون في كبريات الشركات النفطية والغازية من أن الأسعار الحالية قد لا تعكس بعد الحجم الحقيقي لمخاطر إغلاق مضيق هرمز. وأكدت تصريحات صادرة عن مسؤولي شيفرون وتوتال إنيرجي أن آسيا ستكون في مقدمة المناطق المتضررة من أي اختلال طويل في الإمدادات، بينما قد تواجه أوروبا بدورها ضغوطا إضافية على سوق الغاز الطبيعي المسال، خاصة مع اقتراب مرحلة إعادة ملء مرافق التخزين استعدادا للمواسم المقبلة.
وتظهر هذه المؤشرات مجتمعة أن الاقتصاد العالمي دخل فعليا مرحلة اختبار جديدة، عنوانها الأبرز هو هشاشة التوازن بين الجغرافيا السياسية والأسواق. فكل يوم إضافي من الحرب يرفع كلفة الانتظار ويزيد من منسوب التوتر في سلاسل الإمداد وأسواق المال والطاقة. وبينما تراقب العواصم الاقتصادية الكبرى تطورات الميدان، يبقى السؤال الأثقل مطروحا: هل تنجح الجهود السياسية في تجنيب العالم صدمة اقتصادية أوسع، أم أن الحرب تمضي نحو كلفة أعلى سيدفع ثمنها النمو العالمي والأسواق والمستهلكون على حد سواء؟








تعليقات
0