المواطنة بالكفاءة والعطاء لا بالأصل؛ والشرف بالعقل والأدب لا بالنَّسب

Belhouji الخميس 26 مارس 2026 - 15:34 l عدد الزيارات : 59347

وسف بلحوجي
في اللحظة التي يواصل فيها المغرب ترسيخ وحدته الترابية وتعزيز مكاسبه الوطنية، باستكمال سيادته على أقاليمه الجنوبية داخل وطن ممتد من طنجة إلى الكويرة، تعود إلى الواجهة بعض الخطابات الضيقة التي تحاول إحياء منطق التفرقة والانغلاق، وكأن الزمن لم يتغير، وكأن العالم لم يدخل عصر الانفتاح وتداخل الهويات. خطابات تُصرّ على اختزال الوطن في حدود جغرافية ضيقة، وتبحث عن شماعات واهية لتعليق الإخفاقات، عبر اتهام “الآخر” بأنه “دخيل” أو “برّاني” وأن البديل الحقيقي هو “ولد المدينة”.
غير أن هذا المنطق المتجاوز يصطدم بحقيقة مغرب اختار، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مسار الوحدة والاندماج وبناء المستقبل المشترك. كما أن القرار الأممي رقم 2797، الذي يكرّس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل جدي وذي مصداقية، ليس مجرد وثيقة دبلوماسية، بل يعكس اعترافاً دولياً بمشروع وطني جامع، يوحّد المغاربة على اختلاف جهاتهم داخل دولة واحدة ذات سيادة كاملة.
أمام هذا الأفق الوطني، يطرح بإلحاح سؤال جوهري: كيف يمكن مجابهة مشروع وحدوي متكامل بخطابات إقصائية تُصنّف المواطنين إلى “أبناء المدينة” و”غرباء”؟ وكيف يُعقل أن يُختزل الانتماء داخل الوطن الواحد في وثيقة ازدياد أو أصل جغرافي، في زمن أصبحت فيه المواطنة تُقاس بالكفاءة والالتزام والمساهمة الفعلية في التنمية؟
لقد أثبتت التجارب الدولية أن قوة الدول لا تُبنى على نقاء الأصل، بل على تنوع الروافد. فكم من شخصيات قادت دولا أو أثرت في مساراتها رغم أصولها المختلفة : من مسعد بولس في الولايات المتحدة، إلى كارلوس منعم في الأرجنتين، ونيكولا ساركوزي ومانويل فالس في فرنسا، مروراً برشيدة داتي ونجاة بلقاسم. وفي مجالات الرياضة والثقافة، برزت أسماء مثل زين الدين زيدان وعبد اللطيف بنعزي وأمين معلوف وشارل أزنفور، الذين جسّدوا أن الانتماء الحقيقي يُقاس بالعطاء، لا بالجذور.
هذه النماذج تؤكد أن معيار المواطنة في الدول المتقدمة هو الكفاءة والالتزام، لا الجغرافيا الضيقة ولا الأنساب. ومن ثَمّ، يصبح من غير المقبول أن يُعاد إنتاج خطاب إقصائي داخل وطن واحد، يسائل الأفراد عن “أصلهم” بدل تقييم إسهامهم في خدمة الصالح العام.
وفي هذا السياق، يبرز نموذج مدينة مكناس، التي استفادت عبر تاريخها الحديث من مساهمات فاعلين اقتصاديين من خارجها، أسهموا في تنشيط اقتصادها وخلق فرص الشغل بها. من بينهم إبراهيم زنيبر، ومولاي مسعود أكوزال، ومحمد القندوسي، وإبراهيم أوكريد، وغيرهم ممن جسّدوا بروحهم الوطنية أن الاستثمار والتنمية لا تعترفان بالحدود الجغرافية. كما يظل اسم الراحل المختار المصمودي حاضراً بما قدّمه للمدينة خلال فترة تدبيره، إلى جانب إسهامات شخصيات أكاديمية وثقافية ورياضية، مثل حمادي حميدوش، ممن بصموا على حضور وازن في مجالاتهم.
إن هذه النماذج تؤكد أن الكفاءة وروح المسؤولية وحب الوطن ليست حكرا على فئة أو مدينة، بل هي قيم جامعة تتجاوز كل الاعتبارات الضيقة. وعليه، فإن الإصرار على تغذية خطاب “الأصلي” و”الوافد” لا يخدم سوى تكريس الانقسام، ويقف عائقا أمام تحقيق تنمية حقيقية قائمة على تكافؤ الفرص.
المغرب اليوم، وهو يمضي بثبات في ترسيخ وحدته حول مشروع الحكم الذاتي تحت سيادته، في حاجة إلى خطاب جامع يواكب هذه المرحلة، خطاب يُعلي من قيمة المواطنة ويُحصّن المجتمع من كل أشكال التفرقة. فالتحديات المطروحة لم تعد تحتمل صراعات هامشية، بقدر ما تستدعي تعبئة جماعية قائمة على الكفاءة والاستحقاق.
إن مكناس، كما باقي مدن المغرب، ليست إلا جزء من وطن واحد، يُبنى بسواعد أبنائه جميعا، دون تمييز أو إقصاء. وطن لا مكان فيه لمنطق الانغلاق، بل يتسع لكل من يخلص في عطائه، ويؤمن بأن المواطنة مسؤولية قبل أن تكون انتماءً، وأن الشرف يُقاس بالعقل والأدب، لا بالأصل والنسب.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image