15 موظفًا لكل ألف نسمة.. معطيات رسمية عن التوظيف العمومي تكشف عن اختلالات بنيوية

Media الأربعاء 23 أكتوبر 2024 - 22:25 l عدد الزيارات : 80117

 يشهد سوق الشغل في المغرب تراجعا عن الدور الحيوي للدولة المفترض في تعزيز التشغيل العمومي عبر إحداث مناصب مالية جديدة بالوظيفة العمومية من أجل تلبية احتياجات الإدارة من الموارد البشرية وضمان جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين.
وبحسب التقرير الخاص بالموارد البشرية الملحق بمشروع قانون المالية لسنة 2025، فإنه في عام 2024، بلغ عدد الموظفين المدنيين 570.917 موظفًا، أي ما يعادل 1.53% من إجمالي السكان، ويمثل حوالي 15 موظفًا لكل 1.000 نسمة من السكان العام، و48 موظفًا لكل 1.000 نسمة من السكان النشيطين. ورغم أن هذه الأرقام تعكس مستوى استقرار معين، إلا أن التحليل العميق للتطورات التي شهدتها هذه الفئة يبرز العديد من التحديات الهيكلية التي تواجه الدولة في الحفاظ على التوازن بين تحسين الكفاءة وتلبية الاحتياجات المتزايدة.
هكذا نرى أنه بين عامي 2014 و2024، انخفض عدد الموظفين المدنيين من 578.057 إلى 570.917، مسجلًا بذلك انخفاضًا طفيفًا بنسبة 1.24%. هذا التراجع يُعزى أساسًا إلى عاملين رئيسيين.

الأول هو تحول استراتيجية التوظيف نحو الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وهو ما بدأ مع الموسم الدراسي 2016-2017.

الثاني هو التزايد الكبير في عدد المحالين على التقاعد، خاصة في قطاع التعليم. ومع ذلك، يبقى السؤال هنا هو مدى كفاية هذا التحول لسد الفجوة التي خلفها تقليص عدد الموظفين في القطاعات الحيوية الأخرى مثل الصحة والعدل.
من جهة أخرى، شهدت نسبة تغطية الموظفين المدنيين لمجموع السكان تراجعًا ملحوظًا من 1.71% في 2014 إلى 1.53% في 2024. هذه الأرقام تثير تساؤلات حول قدرة الدولة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة لمواطنيها خاصة في مجالات حساسة كالخدمات الصحية والتعليمية، حيث يظل الطلب على هذه الخدمات في تصاعد مستمر.

نظرة نقدية لتوزيع المناصب: التركيز على القطاعات الأمنية على حساب التنمية

مع توزيع مناصب التوظيف المدني، نلاحظ تركيزًا مفرطًا على القطاعات الأمنية. إذ تستحوذ وزارة الداخلية على 27.26% من مجموع المناصب، وإدارة الدفاع الوطني على 20.39%. وعلى الرغم من أهمية تعزيز القدرات الأمنية في ظل التحديات الإقليمية التي تواجه المغرب، فإن هذا التركيز قد يكون على حساب قطاعات أخرى أكثر حاجة للتطوير، مثل التعليم والثقافة. وهذا التوزيع يعكس أولويات الدولة التي قد تكون متأثرة بالضغوط الأمنية والسياسية أكثر من التركيز على التنمية البشرية الشاملة.

قطاع التعليم: بين التراجع والحاجة الملحة للتطوير

رغم الحاجة الملحة لتحسين جودة التعليم في المغرب، لم يحصل قطاع التربية الوطنية إلا على 1.28% من المناصب المقترحة لعام 2024، وهي نسبة تبدو ضئيلة مقارنة بالتحديات التي يواجهها هذا القطاع بالرغم من عملية التوظيف على مستوى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين التي انطلقت ابتداء من السنة الدراسية 2016 2017 . فمع ارتفاع نسبة التسرب الدراسي، ونقص الكوادر التعليمية، يبدو أن هذا القطاع بحاجة إلى إعادة تقييم استراتيجية التوظيف فيه لتحقيق الأهداف التعليمية المنشودة على المستوى الوطني خاصة مع تزايد ارتفاع عدد الموظفين المحالين على التقاعد أو نتيجة التقاعد النسبي خاصة بالنسبة لموظفي قطاع التربية الوطنية.

ضعف في القطاع الثقافي والإعلامي

على نفس النمط، حظي قطاع الشباب والثقافة والتواصل بنسبة ضئيلة جدًا من المناصب (0.56%)، ما يعكس ضعف الاهتمام بمجالات الإعلام والثقافة، التي أصبحت أساسية في العصر الرقمي. ضعف التوظيف في هذه المجالات يهدد بتأخر المغرب في مواكبة التطورات العالمية في ميدان الإعلام والتواصل المجتمعي، وهو ما قد يؤثر سلبًا على الصورة العامة للبلاد داخليًا وخارجيًا.
هل يؤثر الانخفاض في أعداد الموظفين على جودة الخدمات؟
على الرغم من أن الانخفاض الطفيف في عدد الموظفين قد يبدو جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تحسين كفاءة الإنفاق العمومي، إلا أن هذا يجب أن يُقابله استثمار أكبر في تدريب وتأهيل الكوادر الحالية، وتوفير الأدوات الحديثة لتسهيل تقديم الخدمات. فالتحدي الرئيسي هنا هو المحافظة على جودة الخدمات العمومية في ظل تقليص عدد العاملين في القطاعات الحيوية، مثل الصحة والتعليم.
هكذا فإن تقليص عدد الموظفين المدنيين قد لا يساهم في تحسين كفاءة الإدارة العمومية على المدى القصير، لأن التحدي الأكبر يكمن في القدرة على ضمان استمرارية وجودة الخدمات في ظل تزايد الطلب الاجتماعي.

في ظل هذه التوجهات، تظهر العديد من الاختلالات البنيوية التي تعيق تحقيق التوازن بين القطاعات المختلفة في الوظيفة العمومية. يتمثل أحد أبرز هذه الاختلالات في التركيز المفرط على القطاعات الأمنية على حساب القطاعات الاجتماعية والتنموية الحيوية مثل الصحة والتعليم. ورغم أهمية تعزيز القدرات الأمنية، فإن هذا التوجه يحد من قدرة الدولة على تلبية احتياجات مواطنيها المتزايدة في مجالات أساسية كالتعليم والصحة، مما يؤدي إلى ضعف في جودة الخدمات العمومية وزيادة الضغط على الموارد المتاحة. هذا الواقع يضع الدولة أمام تحدي إعادة النظر في سياساتها لضمان توزيع متوازن وعادل للموارد البشرية، بما يعزز التنمية الشاملة والمستدامة.

ونعتقد أن استمرارية الاعتماد المفرط على القطاعات الأمنية دون إعطاء الأولوية للقطاعات الاجتماعية والاقتصادية قد يخلق فجوة في التنمية المستدامة للمغرب. الدولة مدعوة إلى تحقيق توازن أفضل في توزيع الموارد البشرية بين القطاعات المختلفة، لضمان تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تصب في صالح جميع المواطنين.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image