حين يفقد الأستاذ الأمل… هكذا يضيع التعليم في المغرب

Media الأحد 29 مارس 2026 - 12:34 l عدد الزيارات : 177587

ليست القضية في رقم عابر يمر في خبر ثم ننتقل إلى غيره. حين تقول المعطيات إن 25 في المائة من الأساتذة في المغرب يفكرون في مغادرة المهنة، وإن 70 في المائة غير راضين عن أجورهم، فنحن أمام جرس إنذار حقيقي، لا أمام موجة تذمر عابرة. لأن هذا الرقم، في عمقه، يقول إن المدرسة المغربية لم تعد تُنهك التلميذ وحده، بل بدأت تُنهك من يفترض أن يحملها على كتفيه كل يوم.

المطلوب اليوم من الأستاذ في المغرب كبير جدا. عليه أن يواجه الاكتظاظ، وأن يتدبر ضعف الوسائل، وأن يساير إصلاحات لا تستقر على حال، وأن يتحمل ضغط الإدارة والأسر والمحيط، ثم يطلب منه الجميع، في آخر المطاف، أن يصنع الجودة، وأن يضمن التحصيل، وأن يربي، وأن يؤطر، وأن يعوض كل اختلالات المنظومة. لكن أحدا لا يريد أن يتوقف قليلا أمام سؤال بسيط: ماذا بقي داخل هذا الأستاذ نفسه؟ وما الذي يمكن أن يعطيه رجل يفكر أصلا في الخروج من المهنة؟

حين يصل الأستاذ إلى هذه المرحلة، فالمشكل لا يعود مطلبا فئويا ولا ملفا نقابيا فقط. هنا يصبح الأمر قضية مجتمع. لأن المدرسة لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل من الداخل. تتآكل عندما يدخل الأستاذ إلى القسم مثقلا، فاقدا للحماس، مقتنعا أن جهده لا يغير شيئا في وضعيته. وقد يستمر في أداء واجبه، نعم، لكن بين أداء الواجب وبين الإيمان بالمهنة مسافة كبيرة. وهذه المسافة هي التي تصنع الفرق بين تعليم حي وتعليم بارد، بين أستاذ يحفز وينقل الأمل، وأستاذ يشتغل فقط لأنه مضطر إلى ذلك.

النتيجة الأولى لهذا الوضع هي أن صورة المهنة نفسها تتضرر. من سيقبل غدا على مهنة يرى أهلها غير راضين، ويراهم يشتكون من الضغط وقلة التقدير وضعف المقابل؟ كيف سنقنع الكفاءات الشابة بأن التعليم رسالة نبيلة، بينما أصحاب هذه الرسالة أنفسهم يفكر جزء منهم في المغادرة؟ بهذا الشكل، لا نخسر فقط أساتذة اليوم، بل نضعف أيضا جاذبية المهنة بالنسبة إلى أساتذة الغد.

أما النتيجة الثانية، فهي أخطر لأنها تقع بصمت. الأستاذ لا يحتاج دائما إلى أن يترك المهنة حتى تتضرر المدرسة. يكفي أن يغادرها من الداخل. يحضر بجسده، لكن حماسه يتراجع. يشرح، لكن من دون نفس. يتابع، لكن في الحدود الدنيا. يجتهد أحيانا بدافع الضمير، لا بدافع الأمل. وهنا تبدأ المنظومة في دفع الثمن: تلميذ أقل تحفيزا، قسم أقل حيوية، نتائج أقل جودة، ومدرسة تفقد شيئا فشيئا قدرتها على أن تكون فضاء للارتقاء الاجتماعي.

المعضلة أن الدولة تتحدث كثيرا عن إصلاح التعليم، وتضع البرامج والمخططات والواجهات الجديدة، لكنها لا تستطيع القفز على الحقيقة الأساسية: لا إصلاح من دون أستاذ مرتاح في الحد الأدنى، ومحفز في الحد الأدنى، ومطمئن إلى كرامته المهنية في الحد الأدنى. أما أن نطالبه بكل شيء، ثم نتركه يصارع الإحباط وحده، فهذا ليس إصلاحا، بل استنزاف منظم لآخر ما تبقى من روح المدرسة العمومية.

المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى نقاش حول المناهج والزمن المدرسي والرقمنة. هذه ملفات مهمة، لكن قبلها جميعا هناك سؤال أكثر استعجالا: كيف ننقذ مكانة الأستاذ؟ لأن كل حديث عن جودة التعليم يصبح فارغا حين يكون المدرس نفسه غير مقتنع بأن هذه المهنة تضمن له الاستقرار والإنصاف والاعتراف. وحين يفقد الأستاذ ثقته، تفقد المدرسة توازنها، ويفقد التلميذ جزءا من حقه في تعليم جيد.

لهذا أقول إن هذه المعطيات تلخيص مكثف لوضع مقلق داخل المدرسة المغربية. وحين يفكر ربع الأساتذة في الرحيل، فالمسألة لم تعد تخصهم وحدهم. إنها تعني الأسر، وتعني التلاميذ، وتعني الدولة، وتعني مستقبل بلد يريد أن يكسب معركة التنمية بأدوات تعليمية متعبة ومحبطة.

في النهاية، لا يمكن للمغرب أن يطلب من الأستاذ أن يحمل مشروع الإنقاذ الوطني، ثم يعامله كما لو كان مجرد منفذ صامت. الأستاذ ليس رقما في منظومة. إنه المنظومة نفسها. وإذا أصبح يفكر في المغادرة، فالمطلوب ليس إسكات صوته، بل فهم الرسالة كاملة قبل أن نجد أنفسنا أمام مدرسة قائمة بالجدران فقط، ومنهكة من الداخل.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image