الحكومة تدعي حماية المواطن لكنها تجني 25 مليار درهم سنويا من الرسوم وترفض أي تسقيف للأسعار

imad الأربعاء 1 أبريل 2026 - 09:40 l عدد الزيارات : 30922

يتصاعد الجدل في المغرب حول حماية القدرة الشرائية، بعدما كشفت تطورات أسعار المحروقات محدودية الإجراءات الحكومية في مواجهة الغلاء. ويعيد هذا الوضع طرح أسئلة مباشرة حول جدوى دعم مهنيي النقل، وحول دور الضرائب وهوامش الربح في تضخيم كلفة المعيشة.

فقد كشفت الخرجة الإعلامية لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، عقب اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة بتتبع تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، عن مفارقة صارخة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن «الحرص على الحفاظ على القدرة الشرائية» وبين واقع ميداني يتسم بتسارع غير مسبوق في وتيرة الغلاء، خاصة على مستوى أسعار المحروقات التي تشكل المحرك الأساسي لباقي حلقات التضخم. فالتصريحات التي سعت إلى طمأنة الرأي العام لا يمكن أن تصمد أمام حقيقة الأرقام، التي تؤكد أن المواطن يوجد في قلب الصدمة، ويتحمل وحده كلفتها بشكل مباشر وفوري.
فخلال أقل من ثلاثة أسابيع فقط من بداية الأزمة، سجلت أسعار المحروقات زيادات متتالية قاربت 3 دراهم للتر الواحد، وهو ارتفاع سريع يطرح إشكال توقيت تمرير هذه الزيادات، خاصة وأن جزءا من الكميات المعروضة في السوق تم استيراده بأسعار أقل قبل اندلاع الأزمة. هذا الواقع يفرغ عمليا حديث الحكومة عن «مراقبة السوق» من مضمونه، لأن المراقبة، في غياب قرارات فعلية، لا تعدو أن تكون إجراء شكليا. فالمواطن لا ينتظر من الحكومة أن تراقب الأسعار بقدر ما ينتظر تدخلا يحد من انفلاتها. أما الاكتفاء بتكرار أن «الوضع تحت التتبع»، فلا يختلف عن متابعة المواطن نفسه لنشرات الأخبار، مع فارق جوهري يتمثل في أن الحكومة تمتلك أدوات التدخل لكنها ترفض استخدامها.
وتكشف الأرقام المرتبطة بتركيبة أسعار المحروقات حجم هذا التناقض. فسعر لتر الغازوال في المغرب يتضمن مكونات ثابتة تشكل عبئا ضريبيا واضحا، إذ تبلغ الضريبة الداخلية على الاستهلاك حوالي 2.42 درهم للتر، تضاف إليها ضريبة على القيمة المضافة بنسبة 10 في المائة، ما يرفع إجمالي العبء الضريبي إلى ما يفوق 3.5 دراهم في كل لتر. كما تشير تقديرات مهنية إلى أن هوامش التوزيع والتخزين تصل إلى حوالي 1.48 درهم للتر، وهو مستوى مرتفع يعكس اختلالا في بنية السوق. يجعل شركات المحروقات هي الرابح الأكبر من كل زيادة في الأسعار النهائية، وبذلك، فإن ما يقارب 5 دراهم من سعر اللتر الواحد لا علاقة له مباشرة بسعر النفط في السوق الدولية، وهو ما يعني أن الحكومة تتوفر على هامش تدخل فعلي عبر الرافعة الجبائية، لكنها تختار عدم تفعيله، مفضلة الحفاظ على مداخيل ضريبية تتجاوز 25 مليار درهم سنويا.
وفي مقابل هذا الرفض، تواصل الحكومة الترويج لخيار دعم مهنيي النقل كبديل لحماية القدرة الشرائية، وهو الخيار الذي يثير انتقادات حادة بالنظر إلى كلفته ونتائجه. فمنذ إطلاق هذا النظام سنة 2022، تم ضخ ما يفوق 13 مليار درهم لفائدة القطاع، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على أسعار النقل أو على كلفة المعيشة. بل إن الواقع يؤكد أن هذه الملايير لم تمنع موجة الغلاء التي طالت مختلف المواد الأساسية، من الخضر والفواكه إلى اللحوم والأسماك.
ويفسر ذلك بطبيعة مسار هذا الدعم، الذي يمر عبر سلسلة معقدة من الوسطاء، تشمل السائقين وأصحاب المأذونيات ومالكي وسائل النقل، دون وجود آليات صارمة تضمن انتقال أثره إلى المستهلك النهائي. وهو ما يجعل المجهود المالي للدولة لا ينعكس على الأسعار، وبالتالي فإن المستفيد الحقيقي من هذا الدعم ليس المواطن، بل الفاعلون داخل سلسلة النقل. أكثر من ذلك فإن رئيس الحكومة حين يتباهى بدعم مهنيي النقل لا يفشي سرا مفاده أن دعم المهنيين يضمن استمرار الدورة الاقتصادية في السوق الوطني للمحروقات، ما يجعل جزءا كبيرا من أمول هذا الدعم يصب في نهاية المطاف في خزائن شركات المحروقات التي لا تعرف غير الربح في الرخاء كما في الشدة.
يضاف إلى كل هذا، أن جزءا واسعا من منظومة النقل، خاصة تلك المرتبطة بنقل المنتجات الفلاحية، يبقى خارج هذا الدعم، ما يفتح الباب أمام تمرير زيادات إضافية مباشرة إلى الأسعار. وبالتالي كلما ارتفعت كلفة النقل ببضعة سنتيمات، كلما ارتفع سعر الطماطم بدرهمين أو ثلاثة، وهو ما يعكس وجود اختلالات أعمق، مرتبطة بهوامش الربح والمضاربات أكثر من ارتباطها بالكلفة الحقيقية.
كل هذه المعطيات تكشف بالملموس أن الخطاب الحكومي حول «حماية القدرة الشرائية» يفتقد إلى السند الواقعي، في ظل غياب إجراءات تمس جوهر الإشكال، سواء عبر مراجعة الضرائب، أو ضبط هوامش الربح، أو تفعيل آليات استثنائية لتسقيف الأسعار. أما الاستمرار في الجمع بين ضرائب مرتفعة ودعم غير فعال، فلن يؤدي سوى إلى نتيجة واحدة: تحميل المواطن الكلفة الكاملة للأزمة.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image