بديعة الراضي
قرأت قبل أن أنام خبرا يعلن استقالة الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، بلغة حاسمة لا تترك مجالا للشك كأن القرار صدر و الحقيقة اكتملت و القارئ مطالب فقط بأن يصدق. لم يكن في النص أثر للتردد ولا مساحة للتحقق ولا حتى احترام لثقل الخبر نفسه كان أشبه بحكم جاهز لا بخبر يحتاج إلى دليل نمت على ذلك اليقين المصطنع وفي الحلم انقلب المشهد رأيت هذا النوع من المنابر وقد سقطت عنه كل أقنعته لم يعد إعلاما، بل جهازا يؤدي وظيفة يشتغل داخل حرب لا يعلنها لكنه ينفذ تفاصيلها بدقة رأيت كيف تصاغ الأخبار كجزء من معركة لا كبحث عن الحقيقة كيف تختار التوقيتات وتركب العناوين وتدفع الروايات ليس لأن الوقائع تفرضها بل لأن جهة ما تريدها في ذلك الحلم ..
لم يكن نشر خبر من هذا الحجم خطأ عابرا بل مؤشرا على خلل أعمق ، غياب النزاهة لأن النزاهة لا تقاس بما ينشر فقط بل بما يحذف وما يخفى، و يقدم كأنه حقيقة بينما هو جزء من رواية أكبر. رأيت كيف تتحول بعض المنصات إلى وسائط في حرب بالوكالة تستعمل لتصفية الحسابات لتشويه الفاعلين ولإرباك المشهد العام لا تواجه الخصوم مباشرة بل عبر أخبار تزرع ومعطيات تسرب وتحليلات تكتب مسبقا ثم يبحث لها عن واقع يناسبها في هذا السياق لا يعود الخبر بريئا حين يعلن أمر بهذا الحجم دون تأكيد دون مصادر واضحة ودون أدنى احتراز مهني فإن السؤال لا يكون فقط :
هل هذا صحيح، بل لماذا قيل الآن ،
ومن المستفيد من تداوله وأي معركة يراد فتحها أو توجيهها عبره لأن أخطر ما في هذا النمط من الإعلام ليس الكذب المباشر بل بناء واقع مواز واقع تخلط فيه الإشاعة بالحقيقة ويقدم فيه الاحتمال كيقين وتستعمل فيه اللغة لإقناع القارئ بأن ما يقرأه أمر محسوم بينما هو في الحقيقة جزء من لعبة أكبر في تلك اللحظة.
داخل الحلم لم أعد أرى الخبر كخبر بل كأداة ضغط أو تشويش أو تمهيد لشيء آخر وكلما بدا النص واثقا أكثر ازداد الشك في خلفيته لأن الثقة حين لا تبنى على دليل تتحول إلى قناع.
ثم استيقظت عدت إلى نفس الخبر بنفس الصياغة بنفس اليقين المصطنع دون أي توضيح أو تصحيح وكأن الحقيقة لا تستحق الانتظار ،و الدقة لم تعد شرطا، و الإعلام لم يعد معنيا بأن يكون نزيها بقدر ما هو معني بأن يكون مؤثرا، حينها فقط فهمت أن ما قرأته مجرد خبر متسرع بل جزءا من مناخ كامل تدار فيه الكلمة كأداة داخل صراع لا يرى وكان الحلم أكثر صدقا من الواقع وأن ما نعيشه ليس فقط تزييفا للحقيقة بل توظيفا لها في حرب تدار من خلف الستار، يأمر العميل فيها بالكتابة ويعنف عندما يرد على الآمر بالكتابة بالقول :
-ما أنا بكاتب ..
فيستشيط الآمر غضبا :
قلت لك أكتب أن لشكر استقال.
ليرد العميل :
ولكن لشكر كاتبا أولا بأغلبية ساحقة…لكن سأكتب ياسيدي أني رأيت في المنام والله أعلم أن هذا لشكر الذي دوخنا قد استقال …
لكن أوبشحال…








تعليقات
0