الحكومة والعنف ضد النساء :محاربة العنف ..بعنف في اللغة!

ittihadpress الجمعة 29 نوفمبر 2024 - 20:52 l عدد الزيارات : 70796

فدوى الرجواني

في وقت قررت فيه الأمم المتحدة تخليد الأيام الأممية لمناهضة العنف ضد النساء بشعارات قوية ضَمَّنتها للمرة الأولى رقماً مرعباً عن حجم العنف الممنهج ضد النساء والفتيات، حيث اختارت لحملة هذه السنة شعار “كل عشرة دقائق تقتل امرأة #لا_عذر” مواكبةً بذلك التصاعد المقلق للعنف المبني على النوع وما يخلفه من آثار وخيمة على المجتمعات والأفراد وانتشاره الواسع مع ما توفره اليوم تقنيات الاتصالات واستخدامها كأدوات لإلحاق الأذى بالنساء والفتيات. كشف بحث أجراه المكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة بالدول العربية، وهي البلدان التي تتواجد فيها مكاتب قطرية للهيئة وتشمل المغرب وليبيا وتونس والأردن وفلسطين ولبنان والعراق واليمن، أن نصف مستخدمات الإنترنت في الدول العربية عبرن عن عدم شعورهن بالأمان بسبب التحرش عبر الإنترنت. يصبح هذا الشعور بعدم الأمان أكثر خطورة بين الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان في هذه الدول، إذ يكشف البحث تعرضهن على الأقل مرة واحدة في حياتهن للعنف الرقمي.

في ظل هذه السياقات المقلقة وتجند كل المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم للتصدي للظاهرة، اختارت الحكومة المغربية، ممثلة في وزيرتها، إطلاق حملة لمناهضة العنف المبني على النوع من فندق سوفيتيل بالرباط بشعار باهت وبلغة غير مألوفة، “الأسرة لي من العنف خالية، لمجتمع سليم بانية”. هذا الشعار، رغم استخدامه للدارجة، التي يُفترض أنها لغة تتيح إمكانيات أكبر لصياغة تعابير أكثر قوة، لم يكن موفقاً. فصياغته بدت ضعيفة، وكأن الهاجس الذي سكن الوزيرة عند اختياره هو احترام القافية بدلاً من التعبير القوي عن واقع العنف المبني على النوع في البلاد. إذا غضضنا الطرف عن إهمال الأمازيغية، اللغة الأم الأخرى للمغاربة، مما يقلل من شعبية الشعار وسرعة انتشاره، فلا يمكن إغفال أن الشعار يركز بشكل حصري على العنف في الوسط الأسري وكأنه الفضاء الوحيد الذي يحتضن العنف، متجاهلاً فضاءات العمل والدراسة والأماكن العامة وحتى الفضاء الرقمي، الذي أصبح حديث الساعة في قضايا العنف ضد النساء.

يبقى التساؤل مطروحاً: هل تواكب السيدة الوزيرة التغيرات التي طرأت على مفهوم الأسرة؟ عن أي أسرة تتحدث؟ هل هي الأسرة الممتدة التي تشمل الأقارب، أم الأسرة النووية المتكونة من أب وأم وأطفال، أم الأسرة التي تتشكل من فرد واحد؟ وهل كل النساء يعشن اليوم داخل الأسرة بمفهومها التقليدي؟ إذا كانت الوزيرة بحاجة إلى معطيات دقيقة، يمكن إحالتها إلى مؤسسات الحكامة التي أصدرت تقارير مشهود لها بالنزاهة والرصانة العلمية. منها على سبيل المثال التقرير الموضوعاتي الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول “المساواة بين الجنسين في ومن خلال المنظومة التربوية”. التقرير كشف أن أكثر من 30% من التلميذات و37.9% من التلاميذ في المرحلة الابتدائية أبلغوا عن تعرضهم للتحرش الجنسي. وأشار بحث آخر أجرته المندوبية السامية للتخطيط إلى أن البنات في المرحلتين الثانوية التأهيلية والإعدادية هن الأكثر تعرضاً للعنف الجنسي، حيث وقعت 14.6% منهن ضحايا لعلاقات جنسية قسرية، مما يجعل الوسط المدرسي فضاءً لارتكاب جرائم العنف ضد النساء والفتيات من طرف الذكور.

إن تقزيم الوزارة المعنية لقضايا العنف، ومحاولة الترويج لمحدودية الفضاءات التي يمارس فيها، لا يمكن تفسيره إلا بجهل كبير بخطورة الظاهرة وتداعياتها وبنضالات الحركة الحقوقية والنسائية المغربية. هذا التعامل يعكس استهتاراً بالضحايا، وهو أمر ليس مستغرباً ما دامت الحكومة تحرص على أن لا يكون ضمن تشكيلتها، خصوصاً في وزارة تخص النساء وقضاياهن، من ينتمي لصف النضال الحقوقي والنسائي. بل إنها تستكثر على المغاربة حتى التعيينات الملكية في مؤسسات الحكامة، التي تخضع لشروط الكفاءة والإلمام بقضايا حقوق الإنسان.

منذ تولي الملك محمد السادس عرش المملكة سنة 1999، حرص جلالته على النهوض بحقوق الإنسان باعتبارها مرتكزاً أساسياً لبناء دولة الحق والقانون، مستكملاً المشروع الحضاري الذي دشنه الملك الراحل الحسن الثاني. فقد أبان الملك محمد السادس عن إرادة قوية في الانطلاق بالمغرب نحو آفاق واعدة، سواء من خلال الخطابات الملكية أو الرسائل السامية، التي أكدت على الالتزام بحقوق الإنسان في بعدها الكوني. في رسالته بمناسبة الذكرى السبعين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وصف الملك الوثيقة بأنها “ثمرة فكر متشبع بالمثل الإنسانية”، داعياً المجتمع الدولي للالتزام بروحها في مواجهة التحديات غير المسبوقة.

هذا الالتزام تجسد في تفاعل المغرب مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان والمصادقة على المعاهدات الدولية الأساسية، وفي إسهام المملكة في إعداد الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة. كما حرصت الرؤية الملكية على عدم إغفال أي جانب من حقوق الإنسان، مع اهتمام خاص بحقوق الطفل والمرأة.

لقد أبان الشعار الذي اختارته الوزارة عن ضعف كبير في التعامل مع قضايا العنف القائم على النوع، وعن الحاجة الملحة للتصدي للأسباب الجذرية لهذه الظاهرة، مثل التمييز.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image