كشفت بيانات حديثة صادرة عن بنك المغرب ومصادر مهنية في القطاع البنكي عن تصاعد مقلق في مؤشرات الهشاشة المالية لدى الأسر المغربية، في ظل تزايد الضغوط المرتبطة بغلاء المعيشة وتباطؤ نمو المداخيل. وتؤشر هذه الأرقام على تدهور خطير للقدرة الشرائية للمغاربة، حيث أصبح عدد متزايد من المواطنين غير قادرين على تغطية نفقاتهم الأساسية دون اللجوء إلى آليات تمويل ظرفية، في مقدمتها التسهيلات البنكية والسحب على المكشوف (découvert).
وبحسب المعطيات ذاتها، فإن حوالي 40 في المائة من الحسابات البنكية سجلت رصيدا سالبا إلى غاية نهاية سنة 2025، بإجمالي ناهز 10,46 مليار درهم، مع وتيرة ارتفاع سنوية تقارب 400 مليون درهم خلال السنوات الأخيرة. ويعكس هذا التطور تحولا لافتا في وظيفة هذه الآلية البنكية، التي لم تعد تقتصر على مواجهة اختلالات ظرفية في السيولة، بل تحولت إلى وسيلة تمويل شبه دائمة لتغطية نفقات يومية، تشمل الغذاء والسكن وفواتير الخدمات الأساسية.
وتفيد المعطيات نفسها أن عددا متزايدا من الأجراء يعتمدون بشكل دوري على السحب على المكشوف قبل نهاية كل شهر، في انتظار تحويل الأجور، ما يكرس نمطا ماليا قائما على الاستباق المستمر للدخل. ويعكس هذا الوضع، بحسب متتبعين، فجوة متنامية بين مستوى الأسعار الذي يعرف ارتفاعا متواصلا، ومستوى الأجور الذي لم يواكب نفس الوتيرة، الأمر الذي أدى إلى تآكل فعلي في القدرة الشرائية لفئات واسعة من المجتمع.
في السياق ذاته، سجلت القروض المتعثرة منحى تصاعديا يبعث على القلق، حيث أظهرت بيانات حديثة ارتفاع الديون صعبة التحصيل بنسبة 4,6 في المائة مع بداية سنة 2026، مع زيادة بلغت 4,9 في المائة بالنسبة للأسر، ليستقر معدلها عند حوالي 10,7 في المائة من إجمالي القروض الموجهة لهذه الفئة. ويعكس هذا المؤشر تزايد الصعوبات التي تواجهها الأسر في الوفاء بالتزاماتها المالية، في ظل تراجع هوامش الادخار وارتفاع كلفة الاقتراض.
كما تشير البيانات إلى أن اللجوء إلى مؤسسات التمويل غير البنكي عرف بدوره ارتفاعا ملحوظا، حيث سجلت القروض الممنوحة من طرف هذه المؤسسات نموا بنسبة 18,4 في المائة خلال الربع الأخير من سنة 2025، ما يعكس بحث الأسر عن بدائل إضافية لتغطية احتياجاتها، رغم ما قد تحمله هذه القروض من كلفة مرتفعة وشروط أقل مرونة.
ويرى مهنيون أن تفاقم الاعتماد على السحب على المكشوف يترجم تحولا بنيويا في سلوك الأسر، حيث أصبح هذا المنتج البنكي بمثابة “دخل تكميلي غير مباشر” يتم استهلاكه بشكل منتظم.
غير أن هذا الاستخدام المكثف لا يخلو من تبعات مالية، إذ تترتب عنه تكاليف إضافية تشمل الفوائد والعمولات والغرامات، خاصة في حالات تجاوز السقف المسموح به، ما يؤدي إلى تضخيم العبء المالي على الأسر وتعميق هشاشتها. ويؤكد بحث الظرفية حول ثقة الأسر، الذي تنجزه المندوبية السامية للتخطيط، وجود ضيق واضح في الهامش المالي للأسر المغربية، حيث ما يزال الاستهلاك مهيمنا على الادخار.
وبخصوص تغطية المصاريف، صرحت 58,4 في المائة من الأسر بأن مداخيلها تغطي مصاريفها، في حين تضطر 39,2 في المائة منها إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض. كما تسود نظرة تشاؤمية بخصوص القدرة على الادخار، إذ صرحت 89,2 في المائة من الأسر بعدم قدرتها على ادخار أي جزء من مداخيلها خلال السنة المقبلة. ويظل ملف أسعار المواد الغذائية الأكثر حساسية، حيث أكدت 91,7 في المائة من الأسر ارتفاع هذه الأسعار خلال الفترة الماضية، بينما تتوقع 75 في المائة استمرار هذا المنحى مستقبلا.
وتفيد هذه المؤشرات مجتمعة أن شريحة واسعة من المغاربة أصبحت تواجه صعوبات متزايدة في التوفيق بين الدخل والنفقات، في ظل سياق اقتصادي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الضغوط التضخمية. كما تعكس تنامي مخاطر المديونية، ليس فقط من حيث الحجم، بل أيضا من حيث القدرة على السداد، وهو ما قد تكون له انعكاسات أوسع على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية.
في ضوء هذه المعطيات، يبرز تدهور القدرة الشرائية كأحد أبرز التحديات الراهنة، حيث لم تعد المداخيل قادرة على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار المالي لعدد متزايد من الأسر، التي تجد نفسها مضطرة للاعتماد على حلول مكلفة وقصيرة الأجل. ويطرح هذا الوضع تساؤلات متزايدة حول فعالية الآليات الحالية لحماية المستهلك، ومدى الحاجة إلى إجراءات أكثر نجاعة لضبط الأسعار وتعزيز الدخل وتحسين شروط الولوج إلى التمويل.








تعليقات
0