
محمد رامي
لا يمكن لأحد أن ينكر أهمية بناء دولة اجتماعية قوية تلبي تطلعات مواطنيها. لكن بين الشعارات البراقة والواقع المليء بالاختلالات، يبدو أن مشروع الدعم المباشر سيتحول من فرصة للتمكين الاجتماعي إلى معضلة حقيقية، تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي والاجتماعي في البلاد بسبب النهج الحكومي في تنزيل الورش الملكي الكبير.
تقرير المجلس الأعلى للحسابات، بقيادة زينب العدوي، كشف بالأرقام والوقائع أن منظومة الدعم المباشر تسير بلا بوصلة.
اختلالات في الحكامة، ضعف في الاستهداف، وغياب رؤية واضحة لتقييم الأثر.
كل ذلك يكشف أن الحكومة تدير هذا الورش الحساس وكأنه مجرد برنامج تجريبي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطن.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، لتضيف المزيد من الأسئلة حول مصير هذا المشروع.
الجواهري حذر، بصراحة ووضوح، من مخاطر الاعتماد المطلق على الدعم المباشر كسياسة دائمة. الدعم، وفق رأيه، يجب أن يكون مؤقتاً ومحدداً زمنياً، لأن ديمومته لا تعالج جذور الأزمات الاقتصادية ولا تخلق فرص عمل، بل قد تؤدي إلى اعتماد سلبي يعمق الفجوة بين المواطنين وسوق العمل.
هنا يحق لنا التساؤل ، ما البديل؟
الجواهري أشار إلى الحلول الحقيقية التي تتجاهلها الحكومة، وهي تحفيز النشاط الاقتصادي وخلق بيئة تشجع على الاستثمار والإنتاج، فبدلاً من إغراق المواطن في دائرة الاعتماد على الدعم، المطلوب هو تمكينه من أدوات العمل والإنتاج، بما يضمن له كرامته ويحقق التنمية المستدامة.
ما يثير القلق هو غياب أي إشارة واضحة من الحكومة إلى خطط بديلة أو رؤية استراتيجية طويلة الأمد فلحد الآن لم تجب الحكومة عن التساؤلات المشروعة والتي تتناول مشكل تمويل هذا المشروع الاجتماعي الضخم الذي أطلقه جلالة الملك وتتعامل معه الحكومة بغير قليل من الاستخفاف.
لم تتحدث عن مصادر التمويل المستدام إن كان الدعم المباشر أبدي أو البدائل المقترحة لتعويضه ببرنامج بديل إن كان مؤقتا.
نحن لسنا ضد أي مبادرة اجتماعية تخفف عن المغاربة الذين يعيشون الهشاشة، لكن نتساءل ،
هل يمكن للدعم المباشر وحده أن يُبني دولة اجتماعية؟
بالطبع لا، فالدولة الاجتماعية الحقيقية تعتمد على اقتصاد منتج ومتنوع، على فرص عمل مستدامة، وعلى عدالة اجتماعية تعزز الكرامة بدلاً من التبعية.
الحكومة اليوم أمام اختبار حقيقي، فهل ستستجيب لتحذيرات مؤسسات الحكامة وخبراء الاقتصاد، أم أنها ستواصل السير في طريق يغرق البلاد في أعباء مالية واجتماعية دون حلول ملموسة؟ هذا هو السؤال الذي يتطلب إجابة عاجلة، ليس بالخطابات الإنشائية تحت قبة البرلمان ولا بالمقالات المدفوعة الأجر لحراس المعبد من بين وسائل الإعلام الورقية والإلكترونية ، بل بالأفعال والإصلاحات الجذرية.
مستقبل المغرب يتطلب حكومة جريئة تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية الضيقة. فهل نحن أمام حكومة قادرة على تحمل المسؤولية؟ أم أن المواطن سيظل وحيداً في مواجهة أعباء يومية لا ترحم؟
الوقت وحده كفيل بالكشف عن الإجابة، لكن المؤكد أن المغرب لا يملك رفاهية إضاعة المزيد من الوقت.
وللحديث بقية…








تعليقات
0