قنابل غذائية موقوتة.. مابين مجلس المنافسة و الأونسا فلماذا لا تتحرك النيابة العامة؟

Media الجمعة 20 ديسمبر 2024 - 16:46 l عدد الزيارات : 291370

محمد رامي

عندما يصدر مجلس المنافسة توصيات تدعو المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا) إلى تكثيف مراقبته على سوق الأعلاف المركبة، لا يمكننا أن نتجاهل التساؤل الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل نحن هنا أمام تحذير من خطر قائم أم إقرار صريح بتقصير فادح؟

شخصيا كنت أنتظر طيلة الأيام الماضية بعد تقرير مجلس المنافسة أن تفتح النيابة العامة تحقيقا في الموضوع وترتب الجزاءات على المتلاعبين المتربصين بصحة المغاربة،فالتوصيات هنا أقرب إلى صك اتهام لبعض الفاعلين بالقطاع و للأونسا، لكن يبدو لي أن مجلس المنافسة حاليا مجرد جهاز حكامة يشتغل بأجندة يستعصي علينا إدراكها…
في قراءة متأنية لتقرير مجلس المنافسة الأخير ، نجد أن توصياته تحمل في طياتها أكثر من مجرد دعوة لتحسين الأداء؛ إنها بمثابة صك اتهام مزدوج. فمن جهة، يشير تقرير الأعلاف المركبة بوضوح إلى وجود خلل في منظومة مراقبة إنتاج وتوزيعها، ومن جهة أخرى، يبرز تقصير الأونسا في أداء واجبها الأساسي المتمثل في حماية صحة الإنسان والقطيع والدواجن.

هنا، أود التأكيد أن الأعلاف المركبة ليست مجرد منتجات عادية؛ إنها عنصر أساسي في سلسلة غذاء القطيع والدواجن. وأي تهاون في مراقبة جودتها أو سلامتها يتحول بسرعة إلى كارثة غذائية تطال صحة المغاربة بشكل مباشر. فالسموم الفطرية، المبيدات، والمعادن الثقيلة التي ذكرها مجلس المنافسة ليست مجرد “ملوثات” فقط كما قد يبدو للبعض، بل هي قنابل موقوتة تنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر داخل أجسادنا.

قد يقول قائل” ماماتْ حَدْ..” فنجيبه بأن الأمر يتعلق بسموم تشتغل في أجسادنا على المدى البعيد ولن تظهر تداعياتها إلا بعد دوام الاستهلاك وبعد سنوات، والدليل نجده في الأعداد المتزايدة لمرضى الجهاز الهضمي والسرطان والأمعاء والقصور الكلوي من كبار السن ، بحيث لا أحد يسأل مصدر هذه الأمراض، لأن الوقت قد مضى و لافائدة ترجى من معرفة مصدر الداء لأن المواطن حينها يهمه علاج الداء فقط أو التخفيف من الألم ولا وقت لديه لإضاعته في أمور أخرى…

هنا أقول، إذا كانت هذه التوصيات تعكس واقعًا حقيقيًا، فإنها تضعنا أمام صورة قاتمة، فبعض شركات الأعلاف تغلب الربح على الجودة، وفي المقابل نجد  الأونسا التي تبدو ضعيفة بحسب التقرير وعاجزة عن ضمان السلامة الغذائية وهنا مربط الفرس…

أتساءل مرة أخرى، لماذا لم يتم فتح تحقيق قضائي لمعرفة الحقيقة ومتابعة كل من يشتبه في تورطه في التلاعب بصحة المغاربة، و هل تكفي توصيات المجلس اليتيمة لاحتواء هذا الوضع؟ وهل نحن بحاجة إلى إعادة صياغة جذرية لمنظومة الرقابة الصحية والقانونية وتفعيل أدوار أونسا المؤتمنة على صحتنا؟
أعتقد شخصيا بحكم تكويني الأكاديمي وأيضا بحكم الملفات التي اشتغلت عليها طيلة ربع قرن من مساري المهني أنه لا يمكن الحديث عن تكثيف المراقبة دون الاعتراف بتقصير الجهة المكلفة بها ولنا في الملفات التي اشتغلنا عليها من قبل خير دليل.
وإذا كان مجلس المنافسة يدعو لتعزيز الموارد البشرية والمعدات لدى الأونسا، أليس هذا اعترافًا صريحا بأن هذه المؤسسة تعمل بإمكانات متواضعة لا ترقى إلى حجم التحديات المفروضة عليها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يتم رصد هذه النقائص ومعالجتها منذ البداية لتقوم بأدوارها على أحسن وجه؟

لقد كشف التقرير صراحة عن خلل المراقبة  والتي أقر بأنها متقطعة بالرغم من صرامة الإطار التشريعي المؤطر لعمل الأونسا ، إذن هناك فراغات في مجال المراقبة تفتح الباب لغش مفترض..

الأونسا، كهيئة مسؤولة، يجب أن تتحمل نصيبها من المسؤولية فلماذا نحتاج إلى تدخل مجلس المنافسة لتذكيرها بواجباتها؟ وإذا كانت الأعلاف المركبة تُنتج دون رقابة صارمة من قبل، فما هي الضمانات بأن منتجات أخرى لا تعاني من نفس الإشكالية؟

دعوة المجلس إلى إرساء نظام تتبع أكثر مرونة وإلزام المنتجين بالحفاظ على سجلات مفصلة لا يمكن اعتبارها مجرد خطوات تنظيمية؛ بل إنها ناقوس خطر، فإذا كنا بحاجة إلى هذه الإجراءات الأساسية الآن كما ورد في تقرير المجلس، فما الذي كان يحدث في الماضي وماهي تداعياته على صحتنا؟
دائما مع التقرير الفضيحة، نرى أن الدعوة إلى تعزيز التعاون بين الفاعلين في القطاع وتنظيم ورشات توعوية، يبدو وكأنه محاولة لتجميل صورة مشوهة أصلًا. هذه “الثقافة” التي يدعو إليها المجلس يجب أن تكون حجر الأساس، لا خطوة متأخرة في مواجهة أزمة.
هنا أذكر بأن الخطر الحقيقي ليس فقط في الملوثات التي قد تحتويها الأعلاف، بل في غياب الثقة في المنظومة برمتها.
فإذا كان المجلس يقر بضرورة تطوير مختبرات التحليل والتجارب الخاصة، فهذا يعني أن الوضع الحالي غير كافٍ لمواجهة التحديات.
في النهاية،نعتبر أن توصيات مجلس المنافسة ليست مجرد نصائح تقنية؛ إنها دعوة لمساءلة كل الأطراف المعنية بهذا الوضع، من شركات الأعلاف إلى الأونسا وجميع المتدخلين، فالأهم من كل هذا وذاك أن تكون صحة المغاربة وحماية القطيع فوق أي اعتبار اقتصادي أو بيروقراطي. فهل ستملك الجهات المؤتمنة على صحتنا الجرأة لاتخاذ خطوة فتح تحقيق ليزيد إحساسنا بالأمن ونحن نتناول وجباتنا اليومية ؟..

  وللحديث بقية

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image