الفاعلون في علوم الحياة والأرض يختتمون مؤتمرهم الوطني الثامن برؤية جديدة لمدرسة منخرطة في قضايا البيئة والتحديات المناخية

baidi الإثنين 6 أبريل 2026 - 14:12 l عدد الزيارات : 133361

أحمد بيضي

اختتمت أشغال “المؤتمر الوطني الثامن لجمعية مدرسي علوم الحياة والأرض بالمغرب”، الذي احتضنته مدينة الدار البيضاء على مدى يومي 28 و29 مارس 2026، تحت شعار: “التربية والعلوم رافعتان لصناعة التغيير لصالح مجال ترابي صامد ومستدام”، وقد شكل هذا الموعد العلمي والتربوي محطة نوعية في مسار الجمعية، حيث تميز بنقاشات معمقة وتفاعلات غنية بين مختلف الفاعلين التربويين والباحثين والخبراء، في أفق بلورة تصورات جديدة قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية والبيئية الراهنة.

وعرف المؤتمر في نسخته الثامنة تأكيدا جماعيا على ضرورة “الانتقال من أدوار تقليدية في تتبع السياسات العمومية إلى نموذج متقدم قائم على حكامة التأثير المجتمعي، بما يضمن الإسهام الفعلي في تحقيق العدالة الاجتماعية والمناخية”، و”تعزيز الاستقلالية والأمن الغذائي والصحي، في انسجام مع مبادئ التنمية المستدامة”، كما شدد المشاركون على أهمية “تثمين دور الفاعل التربوي باعتباره محورا أساسيا في إنجاح مختلف أوراش الإصلاح”، وفق نص البيان الختامي.

وفي ختام أشغاله، توج المؤتمر بإصدار حزمة من التوصيات والتوجهات الاستراتيجية، حيث دعا إلى “انخراط الأساتذة الفعّال في أوراش الإصلاحات التربوية وأي نموذج بيداغوجي جديد ينسجم مع رؤية الجمعية، باعتبارهم شركاء أساسيين في الإصلاح وليسوا مجرد منفذين”، مؤكدا على أن تجويد المدرسة العمومية يمر عبر “إشراك حقيقي للمدرس في صناعة القرار التربوي”، كما أوصى بـ”المساهمة في النهوض بجودة تدريس المواد العلمية كاستثمار استراتيجي في الرأسمال البشري، عبر تجهيز المختبرات المدرسية وتحسين وضعية الأستاذ.

وبينما أوصى ب “إشراك المجتمع المدني التربوي في تصميم وتقييم السياسات العمومية في التربية والتكوين”، في إشارة واضحة إلى مركزية البنيات التحتية والموارد البشرية في الارتقاء بالتعليم العلمي”، وجه مؤتمر مدرسي علوم الحياة والأرض دعوة صريحة ل “تبني سياسات عمومية وطنيا وجهويا ومحليا لمواجهة التحديات التي فرضتها التغيرات المناخية وتبعاتها على السلوكات والممارسات الفردية والجماعية، وما تتطلبه من تعبئة للمقاومة والصمود والتكيف”، مبرزا ضرورة “إدماج البعد البيئي في مختلف السياسات التربوية والتنموية”.

وسجلت التوصيات أيضا تحولا نوعيا يتمثل في “الانتقال من موقع متابعة تنفيذ الميزانيات والمساطر إلى قياس الأثر التنموي للسياسات العمومية على حياة المواطن، والمساهمة في تقييم جودة الخدمات المقدمة له”، وفي نفس الإطار، شدد المؤتمر على أن الجمعية “تسهم بتطوير آليات الرصد الاستباقي والاستشراف التشاركي، لتمكين المجتمع المدني من لعب دور الإنذار المبكر وتحذير صناع القرار من الاختلالات المحتملة قبل استفحالها”، بما يعزز دور اليقظة المجتمعية في تدبير الشأن العام.

كما تمت الدعوة إلى “وحدة جميع الفاعلين التربويين والمدنيين للرقي بالتعليم العلمي الذي يسعى لبناء مواطن مسؤول ومستقل وواعٍ بالتحديات، وقادر على حماية الموارد الوطنية والتراثية وتأهيل الوطن لمجتمع المعرفة والصمود”، دون أن يغفل المؤتمر التأكيد على مركزية المواطن، حيث أبرزت التوصيات أنه “يجب وضع المواطن في صلب عملية التقييم، من خلال إدماج مؤشرات رضا المنتفعين ومقترحاتهم كمعيار أساسي في التقارير، لضمان سياسات عمومية تستجيب للحاجيات الحقيقية”، بما يعزز الديمقراطية التشاركية ويقوي الثقة في المؤسسات.

كما تم التأكيد على ضرورة “تثبيت دور الشريك الناقد البناء، لتعزيز جسور التعاون مع المؤسسات الوطنية والمجالس المنتخبة، للانتقال من ثقافة المواجهة إلى ثقافة التكامل، والمساهمة في بلورة حلول وبدائل عملية لتجويد السياسات العمومية”، واختتمت التوصيات بالدعوة إلى “اعتماد التحول الرقمي ومنصات البيانات المفتوحة كأداة رئيسية لتتبع السياسات العمومية آنياً، وتمكين المواطنين من الولوج إلى المعلومة والمشاركة الفعالة في التقييم”، بما يعكس وعيا بأهمية الرقمنة في تعزيز الشفافية والحكامة الجيدة.

في امتداد لأشغال المؤتمر، برز موقف “جمعية مدرسي علوم الحياة والأرض بالمغرب”، على المستويين الوطني والدولي، في سياق يتسم بتعاظم الرهانات الكونية وتسارع التحولات العلمية والتكنولوجية، حيث يعيش العالم اليوم ثورة معرفية غير مسبوقة في مجالات البيولوجيا والجيولوجيا، من قبيل الهندسة الوراثية، والذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي، والطاقات المتجددة، وتدبير الموارد المائية، وهي تحولات تضع مسألة السيادة الوطنية في صلب النقاش العمومي.

وفي هذا الإطار، اعتبر المؤتمر أن “تدريس علوم الحياة والأرض بشكل عصري ومستحدث قضية سيادة وطنية، تضمن تكوين أجيال قادرة على تدبير الثروات الطبيعية والمحافظة على الصحة العمومية، وحماية المغرب من التبعية العلمية وغيرها”، كما أكد على “مساهمة الجمعية في جعل مفهوم التنمية المستدامة سلوكا مجتمعيا، عبر مشاريع عملية (ندرة الماء، فرز النفايات، التشجير، التربية بكل تجلياتها…)، وإدراج البعد البيئي والمناخي في البرامج التنموية للجماعات الترابية”، بما يربط التعليم بقضايا البيئة والتنمية المحلية.

وفي سياق مواكبة الإصلاحات الوطنية، جددت الجمعية التزامها المؤسسي، إذ أكدت “انخراطها في تفعيل أهداف القانون الإطار 57.15 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، مع الحرص على تتبع سياقات الأجرأة والتقويم الخاصة بمختلف مجالات منظومة التربية والتكوين”، بما يعزز موقعها كشريك مدني فاعل في تنزيل السياسات التربوية وتقييم أثرها، ويعكس هذا الموقف العام وعياً متقدماً بأهمية التموقع في قلب التحولات العالمية، مع الحفاظ على خصوصية الاختيارات الوطنية.

وتضمن البيان الختامي للمؤتمر الوطني الثامن للجمعية عرضا مفصلاً لمجريات الأشغال وسياقاتها المختلفة، حيث توقف في محوره الأول عند السياق العام الذي انعقد فيه هذا الحدث، مسجلا مشاركة 181 مؤتمرا ومؤتمرة يمثلون مختلف فروع الجمعية عبر ربوع التراب الوطني، في محطة تنظيمية وُصفت بالدقيقة، بالنظر إلى ما يطبع الظرفية الدولية والإقليمية والوطنية من عدم استقرار، وتنامي تحديات التغيرات المناخية، ورهانات الأمن الصحي والغذائي والاجتماعي، إلى جانب التسارع المتواصل في المعارف العلمية والتربوية والتكنولوجية.

واستعرض البيان جملة من الإنجازات النوعية التي حققتها الجمعية خلال السنوات الأخيرة، من بينها ترسيخ ثقافة التكوين المستمر المبني على المقاربات البيداغوجية الحديثة، مثل التربية على المواطنة والسلوك المدني، والتدريس بالتجريب، واعتماد المشاريع المهيكلة والمقاربة الرقمية، فضلا عن مواكبة التحول الرقمي في التعليم عبر إنتاج موارد رقمية مفتوحة وتكوين الأساتذة على أدوات الذكاء الاصطناعي التربوي، وكذلك عن الدينامية التي خلقتها مبادرات ربط المدرسة بمحيطها، من خلال مشاريع ونواد بيئية وعلمية، وأنشطة للتوعية الصحية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image