أثار إعلان وزارة العدل عن فتح 440 منصبًا للتباري موجة استغراب واسعة، بعد أن كشفت تفاصيل المباريات المعلنة غياب أي حصة مخصصة لتخصص القانون، في مفارقة لافتة داخل قطاع يفترض أن يكون هذا التكوين في صلب بنيته ووظائفه. فأن تُفتح مباريات بهذا الحجم داخل وزارة العدل، ثم يُستبعد خريجو القانون بالكامل من لوائح التخصصات المطلوبة، فذلك يطرح أكثر من سؤال حول منطق هذه الاختيارات وحول الرسائل التي توجهها الوزارة إلى آلاف الخريجين.
وتهم هذه المناصب 100 منتدب قضائي من الدرجة الثانية، و150 محررًا قضائيًا من الدرجة الثالثة، و190 محررًا قضائيًا من الدرجة الرابعة. غير أن التخصصات المطلوبة اتجهت كلها نحو مجالات تقنية وإدارية وتدبيرية، من قبيل المعلوميات والشبكات والأنظمة الرقمية والتسيير والمحاسبة وكتابة الإدارة، من دون أي حضور للقانون العام أو القانون الخاص أو غيرهما من المسالك القانونية التي يفترض، منطقيًا، أن تجد لها موطئ قدم داخل وزارة بهذا الحجم وبهذه الطبيعة.
اللافت في هذا الإعلان ليس فقط عدد المناصب المفتوحة، بل طبيعة الرسالة التي يحملها. فحين يُقصى القانون من مباريات وزارة العدل، يصبح من حق الرأي العام الجامعي والمهني أن يتساءل: أي تصور هذا الذي تعتمده الوزارة لتدبير مواردها البشرية؟ وأي عدالة في الولوج إلى الوظيفة العمومية حين يُغلق الباب بالكامل أمام تخصص يُفترض أنه الأقرب إلى هوية القطاع واختصاصاته؟
لا أحد يجادل في أهمية التحول الرقمي وتحديث الإدارة القضائية، ولا في حاجة الوزارة إلى كفاءات تقنية قادرة على مواكبة هذا الورش. لكن ما يثير الاستغراب هو أن يتحول هذا التوجه إلى اختيار أحادي، يبتلع كل شيء من حوله، ويزيح التكوين القانوني إلى الهامش، وكأن العدالة يمكن أن تشتغل بالمعلوميات وحدها، أو أن تُدار بمنطق تقني صرف، بعيدًا عن المعرفة القانونية التي تشكل أساس المرفق نفسه.
إن ما حدث لا يبدو مجرد تفصيل إداري عابر، بل يكشف خللًا حقيقيًا في ترتيب الأولويات. فخريجو القانون ليسوا فائضًا بشريًا خارج الحاجة، بل هم الفئة التي كان يُنتظر أن تحظى، ولو جزئيًا، بحضور طبيعي في مثل هذه المباريات. أما أن يُفتح 440 منصبًا دفعة واحدة من دون منفذ واحد لهذا التخصص، فذلك كافٍ لإثارة الإحساس بالإقصاء، ويمنح الانطباع بأن الوزارة تسير في اتجاه يفصل بين العدالة وأهل القانون.
وأمام هذا الوضع، يصبح من الضروري أن تقدم وزارة العدل توضيحًا صريحًا بشأن الأسس التي اعتمدتها في تحديد هذه التخصصات، وأن تشرح للرأي العام ما إذا كان الأمر مرتبطًا بحاجيات ظرفية محددة، أم أننا أمام توجه جديد يعيد رسم خريطة التوظيف داخل القطاع على حساب التكوين القانوني. لأن الصمت في مثل هذه الحالات لا يبدد الجدل، بل يوسع دائرته، خاصة حين يتعلق الأمر بقطاع يفترض أن يكون أكثر القطاعات إنصافًا ووضوحًا في قراراته.








تعليقات
0