كشفت نتائج البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025 عن تحولات لافتة تمس مؤسسة الزواج في المغرب، في سياق اجتماعي واقتصادي يعيد تشكيل اختيارات الأفراد وتمثلاتهم للعلاقة الأسرية. وتظهر المعطيات أن الدينامية الزوجية لم تعد تسير بالوتيرة نفسها التي كانت عليها في السابق، في ظل تراجع واضح في مشاريع الزواج وازدياد تأثير الإكراهات المادية والاجتماعية على قرار الارتباط.
وبحسب النتائج التي قدم خلاصاتها المندوب السامي للتخطيط ، خلال الندوة المخصصة لعرض خلاصات البحث، فإن نحو 52 في المائة من العازبين لا يرغبون في الزواج، مع بروز هذا التوجه بشكل أكبر لدى الرجال. ويعكس هذا المعطى تحولا في نظرة فئات واسعة من المجتمع إلى الزواج، بعدما بات قرار الارتباط محكوما باعتبارات اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدا، في مقدمتها كلفة العيش، وصعوبة الاستقرار، وتبدل الأولويات الفردية داخل المجتمع المغربي.
كما أبرز البحث ارتفاع متوسط سن الزواج الأول، الذي بلغ 26.3 سنة لدى النساء و33.3 سنة لدى الرجال، وهو ما يؤشر على تأخر نسبي في سن الارتباط مقارنة بما كان سائدا في مراحل سابقة. ويترجم هذا التطور، في جانب منه، أثر التحولات التي مست مسارات التعليم والشغل والاستقلال الاقتصادي، إلى جانب تنامي الحذر في الإقدام على تأسيس أسرة في ظل شروط اجتماعية ومادية أكثر ضغطا.
ومن بين المؤشرات الدالة كذلك على تغير الخريطة الزوجية بالمغرب، تراجع الزيجات بين الأقارب من 29.3 في المائة سنة 1995 إلى 20.9 في المائة سنة 2025، فضلا عن انخفاض الزواج داخل الجماعة نفسها. وتكشف هذه الأرقام عن اتساع نسبي في دوائر الاختيار الزوجي، بما يعكس تنوعا اجتماعيا وجغرافيا أكبر في الروابط الأسرية، وتحولا تدريجيا في أنماط التفضيل والانتقاء داخل المجتمع.
وتوحي هذه النتائج بأن الزواج في المغرب لم يعد مجرد امتداد تلقائي للمسار الاجتماعي، بل صار قرارا أكثر تعقيدا، تحكمه توازنات دقيقة بين الرغبة والإمكان، وبين القيم التقليدية والتحولات التي فرضها الواقع الاقتصادي والاجتماعي. وبهذا المعنى، فإن البحث الوطني حول العائلة لا يرصد فقط تغيرا في الأرقام، بل يبرز تحولا أعمق في تمثل المغاربة للارتباط، وفي الشروط التي باتت تؤطر بناء الأسرة في المغرب المعاصر.








تعليقات
0