السعود أيوب
لم يكن العداء بين المغرب والجزائر، في أي مرحلة من التاريخ الحديث، عداءً بين شعبين. فرغم الخلافات السياسية المزمنة بين الحكومتين ، ظلّت العلاقة بين المغاربة والجزائريين محكومة بروابط الأخوة والاحترام المتبادل، وكانت تُضرب بها الأمثال حتى في أحلك فترات التوتر الدبلوماسي.
غير أن هذا الواقع تغيّر بشكل مقلق في السنوات الأخيرة، وتحديدًا مع المرحلة التي أعقبت سقوط عبد العزيز بوتفليقة وصعود عبد المجيد تبون بدعم مباشر من المؤسسة العسكرية.
في عهد بوتفليقة، لم يكن خطاب الكراهية المتبادل حاضرًا بهذا الشكل الفجّ. بل على العكس، ظل شعار “خاوة خاوة” يعكس حقيقة اجتماعية راسخة، تؤكد أن الخلاف سياسي في جوهره، ولا يمتد إلى عمق العلاقات الإنسانية بين الشعبين.
فما الذي حدث إذن حتى تحوّل هذا الرصيد التاريخي من التعايش إلى حالة استقطاب وعداء شعبي غير مسبوق؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى السياق السياسي الذي أفرز النظام الحالي في الجزائر.
فقد جاء عبد المجيد تبون إلى الحكم في أعقاب حراك شعبي واسع طالب بإسقاط رموز النظام، وبتحقيق انتقال حقيقي نحو دولة مدنية، تفصل بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية.
ورغم رحيل بوتفليقة، فإن جوهر النظام لم يتغير، بل استمر بمنطق قديم وبأدوات أكثر خشونة.
أمام أزمة الشرعية وتراجع الثقة الشعبية، وجد النظام الجديد نفسه في حاجة ملحّة إلى إعادة إنتاج خطاب تعبوي يعيد ترتيب الداخل، فكان اللجوء إلى “العدو الخارجي” خيارًا تقليديًا وسهلًا.
وهنا عاد المغرب ليُستعمل كورقة سياسية جاهزة، تُضخّم الخلافات معه، ويُعاد تسويقها إعلاميًا على أنها خطر وجودي يهدد الدولة الجزائرية.
وبتواطؤ الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، تحوّل الخلاف السياسي بين نظامين إلى خصومة شعبية مصطنعة، تُغذّى يوميًا بخطاب تحريضي غير مسبوق.
ولم يعد الهدف هو الدفاع عن المصالح الوطنية بقدر ما أصبح توجيه الأنظار بعيدًا عن الأسئلة الحقيقية التي طرحها الحراك، وعلى رأسها محاربة الفساد، وبناء دولة القانون، ووضع حد لتغوّل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.
لم يقدّم تبون و شنقريحة مشروعًا وطنيًا جامعًا يعالج الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، بل اعتمدا خطاب “الخطر الخارجي” كبديل عن الإصلاح الحقيقي، وكسلاح لتبرير القمع وتخوين الأصوات المعارضة، وربط كل احتجاج داخلي بأجندات أجنبية مفترضة.
واليوم، تبدو النتيجة واضحة: تصدّع في الوعي الجمعي، وتصاعد خطير في خطاب الكراهية، وقطيعة نفسية بين شعبين لم يكونا يومًا عدوين.
في المقابل، تُحاول السلطة في الجزائر إخفاء حقيقة بسيطة مفادها أن أزمات البلاد لا تأتي من الرباط، بل من داخل منظومة حكم لم تتغير، وإن تغيّرت الوجوه والشعارات.
والسؤال الذي يبقى مطروحًا: هل يستمر النظام في تصدير أزماته إلى الخارج، أم يدرك أن مستقبل الجزائر لا يُبنى على صناعة الأعداء، بل على مصالحة داخلية حقيقية وإرادة إصلاح صادقة .








تعليقات
0