وضعت الحرب أوزارها، وانتهت حروب بالوكالة في عاصمة المال والأعمال، الدار البيضاء. لكنها لم تكن حربًا من أجل إنصاف آلاف المرحّلين من بيوتهم، ولا من أجل كرامة أحياءٍ يُدفعون نحو الهامش، بل كانت حربًا بلا سقف ولا هوادة حول من يدبّر مجالًا أقرب إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث يمضي الموتى إلى ربهم في صمت، بينما يُترك الأحياء لمصيرهم في ضجيج الإهمال.
في مدينة تختنق بالإسمنت، وتتعثر في مياه راكدة، وتبدو في بعض أحيائها كغابة سائبة تتقاسمها الكلاب والدواب والحشرات والثعابين والقطط المشردة، يصبح السؤال مشروعًا ومؤلمًا: كيف صار الموتى أكثر حضورًا في حسابات التدبير من الأحياء؟ وكيف تحوّلت المقابر إلى موضوع صراع سياسي محتدم، لا باعتبارها فضاءً للسكينة والحرمة، بل كمنجم امتيازات ومجال نفوذ؟
ما يجري ليس مجرد تدبير إداري لمرفق عمومي، بل معركة خفية حول الريع، وحول ما تبقى من كتل انتخابية تُستهدف مجازًا، حتى وإن كانت قد غادرت الحياة. ثلاثة أحزاب سياسية، وتحالف واسع، يتدافعون بكل جدية تُثير الإعجاب إن لم تكن تثير السخرية، للفوز بشرف تسيير المقابر، في مشهد يختزل مفارقة قاسية: حين يصبح الموت موردًا، وتتحول حرمة الإنسان بعد وفاته إلى موضوع استثمار سياسي.
ومن أشدّ المفارقات إيلامًا وسخرية، أن جزءًا من هؤلاء المنتخبين يبدو وكأنهم مدينون في وصولهم إلى مواقع القرار لأصواتٍ خرجت من لوائح انتخابية لم تُنقَّح، لوائح ظلّت تحمل أسماء من غادروا الحياة، فأسهموا—رمزيًا وفعليًا—في رسم خريطة التمثيلية. أما الأحياء، أولئك الذين يكتوون يوميًا بواقع التهميش وسوء التدبير، فقد بدا دورهم باهتًا أو مُغيَّبًا، كأن أصواتهم لا تُسمع إلا حين تُستدعى الحاجة، ثم تُعاد إلى صمتها القسري بعد انقضاء المواسم الانتخابية.
في هذا السياق، يبدو وكأن المدينة تُدار بعقلية تُراكم الرماد بدل أن تُنقذ ما تبقى من نبض الحياة. فلا السياسات الحضرية أنصفت الأحياء، ولا العدالة المجالية أنقذت الهامش، ولا حتى الحد الأدنى من الكرامة تُرك خارج حسابات الصراع. كل شيء يُؤجل، وكل شيء يُبرر، بينما الواقع يزداد قسوة واتساعًا.
نحن لم نعد أمام أزمة سياسية عابرة، بل أمام مرحلة ما بعد موت السياسة نفسها؛ لحظة انطفأت فيها المعاني الكبرى، وتحوّل فيها الفعل العمومي إلى طقوس جنائزية باردة. هنا، لم يعد التنافس حول البرامج والرؤى، بل حول من يملك مفاتيح المقابر، ومن يدبّر صمت الموتى بدل صخب الأحياء. لقد انتقلنا من تدبير المدينة إلى تدبير نهاياتها، من أفق الحياة إلى هندسة الفناء، حتى غدت السياسة جثة بلا روح، يتناوب عليها منتخبون يُتقنون مراسم الدفن أكثر مما يُحسنون صناعة الأمل.
بل إن السخرية تبلغ ذروتها حين يصبح “اللحد” نفسه موضوع تنافس، وحين يتحول إلى مورد وامتياز، كأنه يبتسم ضاحكًا من هذا الانحدار، من زمنٍ تُدار فيه المدن بعقلية تُشيّع السياسة بدل أن تُحييها. لحدٌ يراقب منتخبين يتصارعون على تدبير نهايات الناس، وقد عجزوا أصلًا عن تحسين بداياتهم.
هكذا، يستحق ملايين السكان—في منطق هؤلاء—أن يُهمَلوا، أن يُنسَوا، وأن يُطالَبوا بالصبر. فالمفارقة الأشد قسوة أن منتخبين قد يكونون مدينين في استمرارهم السياسي لـ“لوائح ميتة”، في وفاءٍ غريب من ناخبين رحلوا، لكن أسماءهم ما تزال تُستدعى حين تدعو الحاجة، بينما الأحياء لا يُستدعون إلا لتجديد الشرعية ثم يُعاد إقصاؤهم بهدوء.
في الدار البيضاء، لا يبدو أن السياسة تحتضر فقط، بل يبدو أنها دُفنت بالفعل… ومع ذلك، ما زال البعض يتصارع بكل حماسة على من سيتولى مراسم دفنها.








تعليقات
0