للحد من مغرب السرعتين إدريس لشكر يضع خارطة الطريق بين الاشتراكية والليبرالية

ittihadpress الأحد 12 أبريل 2026 - 20:11 l عدد الزيارات : 81494

بديعة الراضي

في قراءتي الأولى لتدخل الأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد اللشتراكي للقوات الشعبية لا يمكن اختزال مواقفه في مجرد تفاعل ظرفي مع أسئلة برنامج ديكرباج على إذاعة MFM، بل يتضمن خلفها تصور متكامل لمعنى الاشتراكية في زمن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. اشتراكية لا تعرف بذاتها ضد غيرها، ولا تنغلق داخل حدود إيديولوجية صلبة، بل تعيد بناء مشروعها انطلاقا من سؤال مركزي: _كيف يمكن للدولة أن تكون قوية بمؤسساتها، وعادلة في نفس الآن في توزيع ثمار التنمية؟
هذا الفهم يضع الاشتراكية في قلب التوتر القائم اليوم بين نموذجين: نموذج يسعى إلى تعظيم منطق السوق ولو على حساب التماسك الاجتماعي، ونموذج آخر يرفع شعارات العدالة دون امتلاك أدوات واقعية لتحقيقها. بين هذين الأفقين، يقترح الاستاذ ادريس لشكر مسارا ثالثا، قوامه الإبداع داخل الإيديولوجيا، أي تحويل الاشتراكية من خطاب احتجاجي إلى مشروع تدبيري قادر على التفاعل مع الإكراهات دون التفريط في الأهداف.
من هنا تكتسب الإشارة إلى تجربة التناوب، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، معناها العميق. فاستحضار القرارات التي وصفت بالليبرالية لا يأتي لتبريرها بقدر ما يأتي لتأكيد أن الاشتراكية، في لحظات مفصلية، قد تختار أدوات غير تقليدية من أجل حماية الدولة والمجتمع معا. لقد كان الرهان آنذاك هو إنقاذ التوازنات وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار، وهو نفس الرهان الذي يعود اليوم بصيغ جديدة أكثر تعقيدا.
إن ما يطرحه هذا التصور هو أن معركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليست فقط سياسية، بل هي أيضا مجتمعية، تتمثل في الحد من ظاهرة “مغرب السرعتين”، حيث تتسع الفجوة بين فئات ومجالات ترابية مختلفة. وهذه المعركة لا يمكن كسبها بخطاب شعبوي أو بوعود مجردة، بل ببناء مؤسساتي صلب يضمن تكافؤ الفرص، ويعيد توزيع الإمكانات بشكل عادل، ويؤسس لثقة جديدة بين الدولة والمجتمع.
في هذا السياق، يصبح الدفاع عن التعيينات الملكية الأخيرة في قطاع الصحة جزءا من رؤية أوسع، قوامها أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق فقط عبر السياسات، بل أيضا عبر جودة النخب التي تدبر هذه السياسات. فالدولة الاجتماعية لا يمكن أن تقوم بدون دولة مؤسسات، والعكس صحيح؛ إذ لا معنى لمؤسسات قوية إذا لم تكن موجهة لخدمة المواطن وتقليص الفوارق.
إن الاشتراكية، كما تتجلى في هذا الطرح، ليست مجرد انحياز طبقي تقليدي، بل هي مشروع توازن دقيق بين الفعالية الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي. مشروع يسعى إلى تجاوز الثنائية الزائفة بين “دولة قوية” و”دولة اجتماعية”، عبر بناء نموذج يزاوج بينهما: دولة قادرة على فرض القانون وضمان الاستقرار، وفي الآن ذاته دولة حاضنة تضمن الكرامة والحماية الاجتماعية.
بهذا المعنى، فإن مخرجات هذا الحوار تفتح أفقا جديدا لفهم دور الاتحاد الاشتراكي في المرحلة الراهنة، ليس كحامل لذاكرة سياسية فقط، بل كفاعل قادر على تجديد أدواته وخطابه من أجل مواكبة التحولات. إنها دعوة إلى إعادة التفكير في الاشتراكية كقوة اقتراحية، تشتغل من داخل المؤسسات، وتؤمن بأن الإصلاح الحقيقي لا يتم بالصدام مع الدولة، بل بتقويتها وتوجيهها نحو خدمة الصالح العام، بما يحد من الفوارق ويؤسس لمغرب أكثر تماسكا وعدلا.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image