أحمد بيضي
في تطور جديد يعكس تداخل النقاش التربوي مع المساءلة القانونية، باشرت الفرقة المحلية للشرطة القضائية بمدينة تامسنا، يوم الأربعاء 15 أبريل 2026، إجراءات بحث تمهيدي مع الفاعل التربوي ذ. عبد الوهاب السحيمي، وذلك على خلفية شكاية رسمية تقدمت بها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في شخص المسؤول الحكومي محمد سعد برادة، عبر الوكيل القضائي للمملكة، وفور انتهاء جلسة الاستماع مع المشتكى به، غادر مقر الشرطة القضائية، في انتظار ما ستسفر عنه باقي مراحل البحث التمهيدي.
وجاء الاستماع إلى السحيمي على إثر نشره سلسلة من المواد الرقمية على قناته الخاصة، تناولت بالنقد مشروع “مدارس الريادة”، وهو أحد الأوراش التي تمجدها وتراهن عليها الوزارة في سياق إعادة هيكلة المنظومة التعليمية، وقد تمحورت جلسة الاستماع حول مضمون ستة فيديوهات اعتبرت موضوع الشكاية، حيث سعت الضابطة القضائية إلى التدقيق في طبيعة المضامين المنشورة ومدى تقاطعها مع الضوابط القانونية المؤطرة للنشر والتعبير.
وتستند الشكاية، وفق تدوينة للمشتكى به، إلى اتهامات تتعلق ب “إهانة موظفين عموميين أثناء مزاولتهم لمهامهم”، إلى جانب “بث وتوزيع ادعاءات ووقائع يدعى أنها غير صحيحة بسوء نية”، مع ما قد يترتب عن ذلك من “مساس بالحياة الخاصة والتشهير”، وقد تم تكييف هذه الأفعال استنادا إلى مقتضيات الفصل 263 من القانون الجنائي المرتبط بإهانة موظف عمومي، والفصل 447 المتعلق بحماية الحياة الخاصة، فضلا عن المادة 72 من قانون الصحافة والنشر التي تؤطر جرائم نشر الأخبار الزائفة أو المضللة.
السحيمي، الذي برز خلال الأشهر الماضية كأحد الوجوه البارزة في الحراك التعليمي، وجد نفسه هذه المرة في موقع المساءلة على خلفية مواقفه النقدية، وهو ما يسلط الضوء على طبيعة العلاقة المتوترة أحيانا بين حرية التعبير وحدودها القانونية، خاصة حين يتعلق الأمر بمواضيع تهم السياسات العمومية، ومن المنتظر إحالة نتائج ملف القضية على النيابة العامة المختصة بناء على مضامين المحاضر المنجزة.
في المقابل، لم يفت السحيمي التعبير، في تصريحات إعلامية، عن “اندهاشه من اللجوء إلى المسطرة القضائية في هذا السياق”، معتبرا أن مداخلاته “لم تخرج عن حدود مناقشة قضايا تربوية تهم الشأن العام، دون استهداف أشخاص بعينهم”، وتساءل بشأن “اعتماد الوكيل القضائي للمملكة في مثل هذه الملفات”، معتبرا أن ذلك “يفتح نقاشا أوسع حول كيفية تدبير الاختلاف في الرأي داخل المنظومة التربوية”.
وأكد المتحدث ذاته أن الهدف من المحتوى الذي نشره كان يتمثل أساسا في “تنبيه المسؤولين إلى بعض الإشكالات المرتبطة بتنزيل مشروع “مدارس الريادة”، وذلك في إطار ما يعتبره ممارسة لحقه في التعبير والمساهمة في النقاش العمومي حول قضايا التعليم”.
وتأتي هذه الواقعة في سياق وطني يتسم بتصاعد النقاش حول إصلاح المدرسة العمومية، حيث تتقاطع رهانات التحديث التربوي مع تحديات التواصل والتفاعل مع مختلف الفاعلين، بما في ذلك الأصوات النقدية التي تنشط بشكل متزايد عبر الفضاء الرقمي، وهو ما يعيد طرح إشكالية التوازن بين صون حرية الرأي والتعبير من جهة، وضمان احترام القانون وحماية الأفراد والمؤسسات من جهة أخرى، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة التي تمر بها المنظومة التعليمية في المغرب.








تعليقات
0