مرة أخرى، يخرج الخطاب الرسمي بلغة الأرقام المطمئنة: مخزون يكفي لأسابيع، دعم بمليارات الدراهم، وإمدادات مؤمنة إلى نهاية السنة. ومرة أخرى، يبقى السؤال الذي يشغل المغاربة بلا جواب واضح: لماذا ترتفع الأسعار رغم كل هذا “التحكم” المعلن؟
تدخل وزيرة الانتقال الطاقي، ليلى بنعلي، بدا محكماً في ترتيب المعطيات وتقديمها، لكن ذلك لا يمنع من القول إن طريقة عرض الأرقام تثير أكثر من علامة استفهام. فالمشكل ليس دائماً في صحة الأرقام، بل في الزاوية التي تُقدَّم منها، وفي ما يتم التشديد عليه وما يتم المرور عليه بسرعة.
أول ما يلفت الانتباه هو الإصرار على تضخيم أثر السياق الدولي. صحيح أن التوترات الجيوسياسية وضغط السوق العالمية عوامل قائمة، لكن استحضار أزمات كبرى من قبيل 1975 و1979 و2002 يبدو أقرب إلى تهيئة الرأي العام لتقبل الغلاء، بدل تقديم تفسير متوازن يضع المسؤوليات الخارجية والداخلية جنباً إلى جنب. ذلك أن جزءاً من الأزمة يرتبط أيضاً بخيارات داخلية، في مقدمتها تحرير سوق المحروقات وغياب ضبط فعلي لهوامش الربح.
ثم إن خطاب النجاح لم يخل من انتقائية واضحة. نعم، استمرار التموين معطى إيجابي، لكن ذلك لا يلغي وجود نقاط ضعف حقيقية، من بينها محدودية التخزين في بعض المواد الحيوية. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن فعلاً أمام وضع مريح، أم فقط أمام توازن هش قابل للاهتزاز مع أول صدمة جديدة؟
المفارقة الأبرز تظل في ملف الدعم. فكيف تضخ الدولة مليارات الدراهم لحماية القدرة الشرائية، بينما لا يظهر أثر ذلك بشكل واضح في الأسعار التي يؤديها المواطن؟ وأين يذهب الفرق؟ ولماذا لا يلمس المستهلك هذا الدعم في السوق كما يُقدَّم له في التصريحات الرسمية؟
أما الإحالة على مجلس المنافسة، فلا تكفي وحدها لإقناع الرأي العام، ما دامت تقاريره نفسها تتحدث عن انتقال “جزئي” لتغيرات الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية. وهو توصيف يفتح الباب أمام سؤال أكبر حول شفافية السوق، وحول حقيقة الأرباح وهوامشها، وحول من يستفيد فعلاً من هذا الهامش الغامض بين السعر الدولي والسعر الذي ينتهي عند المستهلك.
ثم يأتي الحديث عن “فرصة تاريخية” لتسريع الانتقال الطاقي. وهي عبارة جذابة سياسياً، لكنها لا تبدد القلق اليومي للمغاربة. فالطاقات المتجددة، رغم أهميتها الاستراتيجية، لم تنعكس بعد بالقدر الكافي على كلفة الطاقة بالنسبة إلى الأسر، ولم تُحوّل بعد هذا الطموح الكبير إلى أثر ملموس على جيب المواطن.
المشكلة اليوم ليست في الأرقام وحدها، بل في الثقة بما وراء الأرقام. فعندما تتكرر المبررات نفسها مع كل أزمة، ويظل المواطن هو الطرف الذي يؤدي الكلفة دائماً، يصبح من حقه أن يتساءل: هل نحن أمام تدبير فعلي للأزمة، أم فقط أمام تدبير محكم لخطابها؟
المغاربة لا يحتاجون مزيداً من الطمأنة اللفظية، بقدر ما يحتاجون وضوحاً أكبر في كيفية تسعير الطاقة، وجرأة حقيقية في فتح ملف الأرباح وهوامشها، قبل الحديث عن الفرص التاريخية. لأن السياسة الطاقية لا تُقاس فقط بسلامة المخزون، بل أيضاً بمدى قدرتها على حماية القدرة الشرائية، لا الاكتفاء بتفسير تآكلها.








تعليقات
0