مرة أخرى، تختار الحكومة الطريق الأسهل: مد اليد إلى جيب المواطن.
ومرة أخرى أيضا، يجري تقديم القرار كما لو أنه مجرد إجراء تقني عادي، بينما أثره الحقيقي يمس الحياة اليومية لآلاف الأسر المغربية. ما وقع في ملف ضريبة السكن قدم للمغاربة حينها مجرد نقل للاختصاص من الجماعات الترابية إلى إدارة الضرائب لنكتشف جميعا بأنه تحول كامل في طريقة تعامل الحكومة مع هذا الرسم: من تدبير محلي كان المواطن يتعامل معه في حدوده المعروفة، إلى منطق جبائي أكثر صرامة، وأكثر تشددا، وأكثر استعدادا لفرض الغرامات والزيادات عند أول تأخر قد يصل الأمر إلى الحجز على الحساب البنكي ولم لا على السكن من يدري؟.
الحكومة لم تقل للمغاربة من الأول الحقيقة كما هي. لم تقل لهم إن نقل استخلاص رسم السكن ورسم الخدمات الجماعية إلى إدارة الضرائب سيعني عمليا تشديد المراقبة، وإحكام التتبع، وتفعيل الجزاءات بوتيرة أكبر. قدمت الأمر في صورة إصلاح إداري، والحال أنه في العمق توسيع واضح لقبضة الإدارة الجبائية. والنتيجة اليوم بدأت تتضح: المواطن لم يعد يواجه مجرد واجب أداء، بل أصبح أمام مسطرة مشدودة من أولها إلى آخرها، تبدأ بالتصريح، وتنتهي بالغرامة والزيادة عند أول تعثر.
مع اقتراب فاتح يونيو 2026، آخر أجل للأداء، صار واضحا أن الدولة لا تنظر إلى هذا الملف من زاوية التيسير، بل من زاوية التحصيل الصارم. من يتأخر عن الأداء لا يجد أمامه مهلة اجتماعية أو هامشا للتفهم، بل يجد غرامة بنسبة 10 في المائة، وزيادة بنسبة 5 في المائة عن الشهر الأول، ثم 0.5 في المائة عن كل شهر إضافي أو جزء منه. أي إن المواطن الذي يتأخر، لأي سبب كان، لا يظل مطالبا بالمبلغ الأصلي فقط، بل يدخل مباشرة في دوامة الزيادات. وهنا بالضبط يتحول الرسم إلى فخ جبائي حقيقي: مبلغ قد يبدو عاديا في البداية، لكنه يبدأ في الانتفاخ بمجرد تجاوز الأجل.
المشكل ليس في أداء الواجبات، فالمواطن المغربي لم يكن يوما ضد أداء ما عليه عندما تكون الأمور واضحة وعادلة ومفهومة. المشكل في أن الحكومة تتصرف بمنطق جاف من دون حملة دعائية تبين من البداية حقيقة قرارها ثم تأتي لتقول لها، ببرود كامل: إذا لم تؤد في الوقت المحدد فسندخلك في مسلسل الغرامات. أي رسالة سياسية تحملها هذه المقاربة غير أن الحكومة ترى في المواطن مجرد ملزم بالأداء، لا إنسانا يواجه ضغوطا حقيقية كل شهر؟
ما يثير الغضب أكثر هو أن هذا التشدد لا يواكبه أي خطاب حقيقي عن العدالة الجبائية. الحكومة شديدة الحزم عندما يتعلق الأمر بتحصيل الرسوم من المواطنين، لكنها أقل حماسا حين يتعلق الأمر بفتح النقاش حول من يستفيد من الإعفاءات، ومن يتهرب فعلا من أداء ما عليه، ومن يربح أكثر ويدفع أقل. وكأن الصرامة لا تشتغل إلا في الاتجاه الأسهل: اتجاه الأسر والطبقة الوسطى والفئات التي ليس لها من وسيلة سوى الامتثال أو دفع الثمن.
ثم إن نقل هذا الرسم من الجماعات إلى إدارة الضرائب لم يكن بريئا كما يراد له أن يبدو. لأن الفرق كبير بين منطق مرفق محلي، مهما كانت نقائصه، ومنطق إدارة جبائية مركزية تشتغل بعقل التحصيل والانضباط والجزاء. في الحالة الأولى كان المواطن يشعر، ولو نسبيا، أن الأمر يتعلق برسم محلي محدود. أما اليوم، فالإحساس الذي يتعزز هو أن الدولة تريد أن تجعل من كل تأخر موردا إضافيا، ومن كل خطإ مناسبة للزيادة، ومن كل ارتباك في الأداء مدخلا لعقوبة مالية جديدة.
الأخطر من ذلك أن الحكومة تمرر هذه الاختيارات في صمت، ثم تترك المواطن يكتشف آثارها وحده. لا شرح سياسي حقيقيا، ولا تواصل صريحا، ولا حتى اعتراف بأن هذا التشديد ستكون له كلفة اجتماعية. فقط لغة إدارية جافة تتحدث عن الآجال والمساطر والالتزامات، بينما الناس في الواقع يفهمون شيئا واحدا: إذا تأخرت، ستدفع أكثر. وإذا تعثرت، ستثقل كاهلك الزيادات. وإذا لم تنتبه، وجدت نفسك أمام مبلغ تضاعف بسبب أيام أو أسابيع من التأخير.
لهذا، فالمسألة اليوم ليست تقنية، بل سياسية بامتياز. نحن أمام حكومة اختارت أن تشدد الجباية بدل أن تخفف الضغط، وأن توسع سلطة إدارة الضرائب بدل أن توسع منطق التيسير، وأن تحاصر المواطن بالمواعيد والجزاءات بدل أن تبحث عن توازن معقول بين حق الدولة وظروف المجتمع. وهذا ما يجعل القول إن الحكومة حولت ضريبة السكن إلى فخ جبائي للمغاربة ليس مجرد شعار معارض، بل توصيفا دقيقا لما يحدث أمام أعين الجميع.
في النهاية، يبدو أن الحكومة لا تجد حرجا في أن تكون صارمة مع المواطن إلى هذا الحد، ما دام الأمر يتعلق بالتحصيل. أما المواطن نفسه، فلا يطلب امتيازا، ولا يبحث عن إعفاء شامل، بل يريد فقط قدرا من الإنصاف، وقدرا من الوضوح، وقدرا من المعقول في علاقة صارت تميل أكثر فأكثر إلى منطق الجباية العقابية. وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد، يصبح من حق الناس أن يسألوا: هل الغاية هي تنظيم استخلاص رسم السكن، أم تحويله فعلا إلى باب جديد لاستنزاف ما تبقى في جيوب المغاربة؟








تعليقات
0