ليس مستغربا أن تختار وكالة الأنباء الفرنسية أن تنجز روبورتاجا من قلب مخيمات تندوف، لكن المستغرب حقا هو أن تقدمه كما لو أنه صورة كاملة للنزاع، لا مجرد زاوية انتقائية تخدم رواية سياسية بعينها. فحين تُفتح عدسة الكاميرا على خطاب الانفصال وحده، وتُغلق في المقابل أمام التحولات الدبلوماسية الكبرى، وأمام الدينامية التنموية الملموسة التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة، فإننا لا نكون أمام عمل صحفي متوازن، بل أمام مادة تثير أكثر من سؤال حول الخلفيات التحريرية والانتقائية المقصودة. ذلك أن الوقائع الدولية في الأشهر الأخيرة لم تعد كما كانت قبل سنوات: الولايات المتحدة جدّدت في أبريل 2025 تأكيدها أن مبادرة الحكم الذاتي هي الأساس الوحيد للتفاوض، واستمرار الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه ظل قائما، كما تبنى مجلس الأمن في قراره 2797 لسنة 2025 مقاربة تدعو إلى التفاوض على أساس المقترح المغربي وتعتبر أن الحكم الذاتي الجاد يمكن أن يمثل مخرجا ممكنا وواقعيا. هذا المعطى نفسه أعادت مؤسسات أوروبية تثبيته خلال 2026.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس لماذا ذهبت الوكالة إلى تندوف، فهذا من حقها، بل لماذا لم تذهب أيضا إلى العيون والداخلة لتُنجز، بالقدر نفسه من الحماس، روبورتاجا عن الأوراش الكبرى، والموانئ، والاستثمارات، والبنيات التحتية، والتحول الذي جعل الأقاليم الجنوبية منصة جيو-اقتصادية صاعدة؟ مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، على سبيل المثال، يُقدَّم رسميا باعتباره جزءا من برنامج مندمج للربط اللوجستي والاستثمار، فيما أكدت الوكالة الفرنسية للتنمية في يناير 2026 التزامها بمواكبة مشاريع التنمية في الأقاليم الجنوبية بعد زيارات ميدانية ولقاءات مع المسؤولين المحليين. هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل جزء من الحقيقة التي كان يفترض في عمل صحفي متوازن أن يضعها أمام القارئ.
ثم لماذا هذا الصمت على التحول المتسارع في المواقف الدولية؟ بريطانيا أعلنت في يونيو 2025 دعمها للحكم الذاتي داخل السيادة المغربية باعتباره الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية، وفرنسا شددت رسميا على أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن السيادة المغربية، فيما واصل الاتحاد الأوروبي خلال 2026 تأكيد مرجعيته الجديدة المنسجمة مع قرار مجلس الأمن 2797. بل إن دولا إضافية واصلت الاصطفاف إلى جانب هذا التوجه، من بينها مالي في أبريل 2026، كما تواصلت خطوات فتح القنصليات في العيون والداخلة، ووصل عددها إلى 29 قنصلية بحسب رويترز في أكتوبر 2025. فهل كانت هذه المعطيات كلها خارج نطاق رؤية الوكالة، أم أنها لا تنسجم مع السردية التي أرادت تسويقها؟
إن أخطر ما في هذا النوع من المواد ليس فقط ما يقوله، بل ما يتعمد إخفاءه. فالروبورتاج يتحدث عن “لاجئين” وعن “قضية تصفية استعمار” وعن “استقلال” كما لو أن العالم لم يتغير، وكأن النقاش الدولي ما زال واقفا عند لغة السبعينيات. بينما الحقيقة أن الأمم المتحدة نفسها ما عادت تتحدث بالمنطق ذاته الذي تحاول بعض المنابر الإعلامية استعادته. قرار مجلس الأمن الأخير لم يضع خيار “الاستقلال” في مركز العملية السياسية، بل دفع في اتجاه تسوية سياسية واقعية وقابلة للتطبيق ومتوافق بشأنها، مع جعل مبادرة الحكم الذاتي أساسا للنقاش. وحتى التغطيات الدولية غير المغربية، مثل رويترز وأسوشييتد برس، أبرزت أن القرار شكّل تحولا واضحا في مقاربة الملف، وأنه همّش الطرح الانفصالي الذي ظلّت البوليساريو والجزائر تدفعان به لعقود.
من هنا تبدو مادة أ ف ب وكأنها لا تنقل واقعا بقدر ما تحاول إنعاش خطاب فقد كثيرا من زخمه السياسي والدبلوماسي. فمن يقرأ الروبورتاج يخرج بانطباع أن العالم بأسره ما زال مصطفا وراء أطروحة الانفصال، والحال أن ميزان المواقف الدولية تحرك بشكل واضح في الاتجاه المعاكس. الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، وبلدان أوروبية وإفريقية وأمريكية لاتينية باتت تتبنى أو تساند المقاربة المغربية بدرجات متفاوتة، فيما تتراجع، بالتوازي، شرعية “جمهورية الوهم” في عدد من الساحات، مع استمرار سحب الاعتراف أو تجميده من قبل دول اختارت الاصطفاف مع الحل الواقعي بدل الوهم الإيديولوجي. آخر هذه المؤشرات البارزة كان إعلان مالي سحب اعترافها بالكيان المزعوم ودعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وإذا كان من حق أي وكالة أن تختار زاويتها التحريرية، فليس من حقها أن تمارس الانتقاء بهذا القدر من الفجاجة ثم تقدم المادة على أنها “ريبورتاج” بريء. فالصحافة الجادة لا تكتفي بإبراز هشاشة المخيمات، بل تسأل أيضا: من الذي أبقى هذه المخيمات رهينة لعقود؟ ومن الذي يستثمر في استمرار المأساة بدل إنهائها؟ ومن الذي يخشى حلا سياسيا واقعيا لأنه يسحب منه ورقة التوظيف الإقليمي؟ هنا تحديدا تبدأ منطقة الصمت في خطاب الوكالة. فلا ذكر للدور الجزائري إلا من باب العابر، رغم أن الجزائر هي الداعم المركزي للبوليساريو سياسيا وماليا ودبلوماسيا، وهو توصيف تكرره تقارير دولية وتغطيات إخبارية كبرى عند الحديث عن النزاع.
أما المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، فهي أن هذا النوع من الحملات الإعلامية يشتد كلما استعادت الجزائر بعض العافية المالية من مداخيل المحروقات. لا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة من دون أدلة صريحة، لكن تزامن الانتعاش الطاقي الجزائري مع عودة الترويج المكثف للأطروحة الانفصالية يظل مثيرا للتساؤل سياسيا وإعلاميا. وحين تتوفر السيولة، تعود ماكينة التأثير، ويُعاد ضخ الرواية القديمة في قوالب جديدة: مرة باسم “الريبورتاج”، ومرة باسم “الإنسانية”، ومرة باسم “حق تقرير المصير”، بينما يتم تجاهل التحولات الواقعية على الأرض والتحولات الأعمق في التوازنات الدولية. هذه ملاحظة سياسية مشروعة، لا حكما قطعيا، لكنها تستحق أن تُطرح بقوة.
المغرب اليوم لا يدافع فقط عن حقه التاريخي والسيادي، بل يربح أيضا معركة الواقعية. في الصحراء المغربية توجد مؤسسات واستثمارات ومشاريع ربط قاري وميناء استراتيجي قيد الإنجاز وشبكات شراكة دولية وقنصليات وتموقع اقتصادي متقدم. وفي المقابل، لا تقدم الأطروحة الانفصالية سوى إعادة إنتاج المخيم، والارتهان، والانتظار، واستثمار البؤس في البروباغندا. لذلك فإن أخطر ما فعلته أ ف ب ليس أنها انحازت، بل أنها حاولت تسويق الانحياز على أنه مهنية.
إن الرد الحقيقي على هذا الروبورتاج لا يكون فقط بالغضب، بل بفضح اختلاله المنهجي: اختار الشهادات التي تخدمه، وأقصى الوقائع التي تربكه، وقدم للقارئ نصف الحقيقة على أنها الحقيقة كلها. وهذا، في القضايا الكبرى، ليس خطأ تحريريا عابرا، بل انحياز سياسي مكتمل الأركان.








تعليقات
0