قدم مرصد العمل الحكومي تقريره التقييمي حول حصيلة الحكومة خلال الولاية الممتدة ما بين 2021 و2026، تحت عنوان: “حصيلة الحكومة، بين وفاء جزئي للالتزامات واستمرار للاختلالات”، مسلطا الضوء على طبيعة الأداء الحكومي وحدود نجاعته في التفاعل مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وأكد التقرير أن تقييم تدبير الشأن العام لا يمكن اختزاله في حجم البرامج أو المؤشرات التقنية، بل يتجاوز ذلك إلى مدى قدرة السياسات العمومية على استيعاب الحس السياسي، وقراءة انتظارات المجتمع، وبناء جسور الثقة مع المواطنين. واعتبر أن طغيان المقاربة التقنية في عدد من الملفات أضعف البعد الترافعي والتواصلي، مما جعل عددا من الإنجازات أقل تأثيرا في الوعي الجماعي.
وسجل التقرير أن هذا الخلل تجلى بوضوح في التعاطي مع موجات الغلاء وارتفاع كلفة المعيشة، حيث ركز الخطاب الحكومي على التوازنات المالية ودعم بعض المواد، في مقابل شعور مجتمعي متزايد بتدهور القدرة الشرائية، وهو ما أدى إلى بروز أشكال احتجاجية جديدة تعكس فجوة بين القرار العمومي والإدراك الشعبي.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن عددا من الملفات الاجتماعية، مثل التعليم والصحة والحوار الاجتماعي، عرفت مقاربة تقنية ركزت على الأرقام والميزانيات، مقابل استمرار الاحتقان داخل الفئات المعنية، بسبب الإحساس بضعف الإنصات وغياب العدالة في توزيع المكاسب، خاصة لدى الفئات الهشة والمتقاعدين.
وعلى مستوى التواصل، أبرز التقرير أن ضعف الحضور التواصلي وتأخر التفاعل مع القضايا الآنية ساهم في رفع منسوب التوتر، حيث تحول الصمت أو التأخر في توضيح القرارات إلى عامل يغذي الإشاعة ويعمق فجوة الثقة. واستشهد التقرير بعدد من الملفات، من بينها احتجاجات المحامين، التي انتقلت من نقاش مهني إلى حالة احتقان بسبب غياب تواصل مبكر وفعال.
كما سجل التقرير محدودية الحضور التواصلي لرئيس الحكومة في عدد من اللحظات المفصلية، معتبرا أن الرأي العام يحتاج إلى خطاب سياسي جامع يواكب الأزمات ويؤطرها، وليس فقط بلاغات تقنية متفرقة.
وفي ما يتعلق بتماسك الأغلبية، اعتبر التقرير أن الصراعات بين مكوناتها شكلت أحد أبرز مظاهر الضعف، خاصة عندما انتقلت الخلافات إلى المجال العمومي. وأبرز في هذا السياق الجدل الذي رافق دعم استيراد الماشية، حيث تحول من إجراء اقتصادي إلى موضوع سجال سياسي بين مكونات الأغلبية، كاشفا عن تباين في الخطاب وتعدد في مراكز القرار.
كما أظهرت احتجاجات شبابية، من بينها ما عرف بـ“جيل زد”، هشاشة التنسيق داخل الأغلبية، حيث اختلفت ردود الفعل بين مقاربات اجتماعية وأخرى أمنية، ما أعطى انطباعا بغياب سردية حكومية موحدة في تدبير الاحتقان.
وفي محور التعيينات، سجل التقرير كثافة غير مسبوقة في التعيين في المناصب العليا، بلغت 724 تعيينا بمعدل سنوي يقارب 180 تعيينا، مع تركيز كبير على مناصب المديرين المركزيين. واعتبر أن هذا الإيقاع المرتفع يطرح تساؤلات حول استقرار المسؤولية العمومية ومعايير الاختيار، ومدى ارتباطها بالكفاءة أو بشبكات القرب.
وأشار إلى أن هذه الكثافة في التعيينات لم تقابلها نفس الوتيرة في النتائج الملموسة، ما يعزز الانطباع بأن جزءا من الفعل الحكومي انصرف إلى إعادة توزيع مواقع المسؤولية أكثر من تحسين جودة الخدمات العمومية.
وفي ما يخص تدبير الأزمات، انتقد التقرير غياب الحس الاستشرافي واعتماد مقاربة قائمة على رد الفعل بدل الاستباق، مستحضرا تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي أدت إلى موجة تضخم تجاوزت 6 في المائة، وانعكست على أسعار المواد الأساسية والطاقة.
كما أشار إلى أن بعض آليات الدعم، مثل دعم استيراد الماشية، أثارت جدلا واسعا بسبب تحولها إلى مصدر استفادة لفئات محدودة دون أثر واضح على الأسعار، ما غذى النقاش حول الريع وضعف استهداف الفئات المتضررة.
وسجل التقرير أيضا محدودية التقدم في ملف السيادة الطاقية، معتبرا أن الحكومة لم تستثمر بما يكفي في بناء أمن طاقي استباقي، قادر على تقليل تبعية الاقتصاد الوطني لتقلبات الأسواق الدولية.
وعلى المستوى الاجتماعي، رصد التقرير تأخر التدخل في عدد من الأزمات، من بينها إضرابات التعليم، واحتجاجات طلبة الطب، وإضراب المحامين، حيث لم يتم فتح قنوات الوساطة إلا بعد اتساع رقعة الاحتجاج وتأثيرها على المرافق العمومية، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، نمطا متكررا في تدبير الأزمات يقوم على التدخل المتأخر بدل المعالجة المبكرة.
وخلص التقرير إلى أن الرهان الأساسي لا يكمن فقط في تحسين المؤشرات الاقتصادية أو إطلاق البرامج، بل في بناء توازن بين النجاعة التقنية والحس السياسي، وتعزيز التواصل، وضمان العدالة في توزيع أثر السياسات العمومية، بما يساهم في ترسيخ الثقة وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.








تعليقات
0