يبدو أن عبد الإله بنكيران لا يستطيع مغادرة قاموس الخصومة القديمة، ولا يريد أن يعترف بأن السياسة لا تُدار بالانفعال ولا بتصفية الحسابات، بل بالمواقف المسؤولة، وبالقدرة على التمييز بين المعارضة الجادة والمزايدة الخطابية.
إن وصف إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعبارات قدحية لا يسيء إلى شخص لشكر بقدر ما يكشف حدود الخطاب السياسي الذي يلجأ إليه بنكيران كلما ضاقت به الحجة.
فإدريس لشكر هو ابن مدرسة اتحادية عريقة، وفاعل سياسي خبر المؤسسات، وراكم تجربة طويلة في الدفاع عن الاختيار الديمقراطي، وعن استقلالية القرار الحزبي، وعن موقع الاتحاد الاشتراكي كقوة سياسية لا تقبل أن تكون ملحقة بأجندة أحد.
أما محاولة تحميل إدريس لشكر مسؤولية ما يسميه بنكيران “إجهاض” ملتمس الرقابة، فهي قراءة انتقائية ومغرضة. فالاتحاد الاشتراكي لا يحتاج إلى شهادة من بنكيران كي يمارس المعارضة، ولا ينتظر إذنا من أي حزب كي يحدد موقعه ومواقفه. المعارضة ليست سباقا في رفع الشعارات، ولا تمرينا في تسجيل النقاط أمام الأنصار، بل مسؤولية سياسية تتطلب وضوحا في الهدف، وصلابة في الموقف، وتقديرا دقيقا لمآلات أي مبادرة.
لقد تعامل إدريس لشكر مع موضوع ملتمس الرقابة بمنطق سياسي مؤسساتي، لا بمنطق الاستعراض. والفرق واضح بين من يريد ملتمسا جديا له شروطه السياسية والدستورية، وبين من يريد تحويله إلى منصة للخطابة واستعادة بعض الحضور المفقود. الاتحاد الاشتراكي لا يشارك في مبادرات غامضة فقط لأنها صاخبة، ولا ينخرط في تحركات لا تتوفر لها شروط الجدية والفعالية.
أما التلميح إلى “ضمانات” أو “وعود”، فهو أسلوب قديم لا يليق بنقاش سياسي ناضج. من يملك معطيات فليقدمها للرأي العام، ومن لا يملك سوى الإيحاء فالأجدر به أن يحترم ذكاء المغاربة. السياسة لا تبنى على الهمز واللمز، ولا على توزيع الاتهامات المجانية، خصوصا عندما تصدر عن مسؤول حزبي سبق له أن قاد الحكومة، ويعرف جيدا أن القرارات الحزبية تُبنى داخل المؤسسات لا في مجالس الظن.
الحقيقة أن بنكيران لم يغفر لإدريس لشكر مواقفه المستقلة منذ مرحلة “البلوكاج” وما بعدها. ولم يستسغ أن يكون الاتحاد الاشتراكي حزبا يقرر وفق تقديره السياسي، لا وفق رغبات العدالة والتنمية ولا حسابات زعيمه. وهذا هو جوهر الحملة الحالية: ليست دفاعا عن المعارضة، بل تصفية حساب مع رجل سياسي رفض أن يكون تابعا أو شاهدا صامتا.
إدريس لشكر، مهما اختلف معه البعض، ظل وفيا لخط سياسي واضح: الدفاع عن موقع الاتحاد الاشتراكي، حماية قراره المستقل، ورفض تحويل الحزب إلى أداة في يد هذا الطرف أو ذاك. ومن حق بنكيران أن ينتقد، لكن ليس من حقه أن يحول الاختلاف السياسي إلى تجريح شخصي، ولا أن يغطي عجزه عن إنتاج مبادرة سياسية مقنعة باتهام الآخرين بالغدر.
إن الاتحاد الاشتراكي لم يكن يوما حزبا بلا ذاكرة أو بلا قرار. ومن يعتقد أن الضغط اللفظي أو حملات التشكيك يمكن أن تدفعه إلى التنازل عن استقلاليته، فهو لا يعرف هذا الحزب ولا تاريخه ولا رجالاته. أما إدريس لشكر، فقد أثبت مرة أخرى أن السياسة تقدير ومسؤولية وقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة الصعبة.
وبدل أن يوزع بنكيران صكوك المعارضة والوطنية، كان عليه أن يقدم للمغاربة جوابا سياسيا واضحا عن حصيلة حزبه عندما قاد الحكومة، وعن القرارات الاجتماعية والاقتصادية التي ما زال المواطنون يؤدون ثمنها إلى اليوم. فالأجدى بمن فتح الباب أمام اختيارات مؤلمة للمغاربة أن يتحلى بشيء من التواضع قبل أن يحاكم الآخرين باسم المعارضة.
خلاصة القول فإدريس لشكر رقم سياسي صعب، وفاعل حزبي اختار أن يمارس السياسة بقرار مستقل. أما الابتلاء الحقيقي في الحياة السياسية، فهو تحويل النقاش العمومي إلى منصة للتجريح، واستبدال الحجة بالاتهام، والمؤسسات بالإيحاءات.








تعليقات
0