اشكالية البنايات المصنفة بالدار البيضاء بين حماية التراث و تجميد الملكيات وتهديد السلامة؟

jawad الأحد 3 مايو 2026 - 11:57 l عدد الزيارات : 145235

لم يعد ملف البنايات المصنفة بمدينة الدار البيضاء مجرد نقاش ثقافي حول صون الذاكرة المعمارية، بل تحول إلى قضية معقدة تتقاطع فيها اعتبارات التراث مع حقوق الملكية والسلامة العامة. وبين نصوص قانونية طموحة وواقع ميداني متعثر، يجد المواطن —مالكا كان أو عابر سبيل— نفسه أمام مفارقة حقيقية.
يستند تصنيف البنايات بالمغرب إلى القانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية، والذي يهدف إلى حماية المعالم ذات القيمة التاريخية والفنية. غير أن هذا التصنيف، في كثير من الحالات، يتحول عمليا إلى قيد ثقيل على المالكين، دون أن يواكبه دعم فعلي أو آليات واضحة للتأهيل.
في أحياء عريقة مثل حي الأحباس، ووسط مدينة الدار البيضاء، ودرب السلطان، تقف عشرات البنايات المصنفة شاهدة على هذا التناقض. واجهات تحمل طابعا معماريا فريدا، لكن خلفها جدران متصدعة، وأسقف مهددة بالانهيار، وسكان يعيشون تحت وطأة الخطر.
كما تعد بنايات مثل فيلا كارل فيك وسينما فوكس و عمارات محج الحسن الصغير نماذج بارزة لبنايات مصنفة أو ذات قيمة تراثية، عانت لسنوات من الإهمال أو بطء التدخل، رغم رمزيتها التاريخية.
المشكلة لا تقف عند التدهور العمراني فقط، بل تمتد إلى وضعية المالكين، الذين يجد كثير منهم أنفسهم عاجزين عن استثمار ممتلكاتهم أو إعادة تأهيلها وفق حاجيات العصر، بسبب القيود الصارمة التي يفرضها التصنيف. فكل تدخل، مهما كان بسيطا، يتطلب مساطر طويلة وموافقات متعددة، قد تستغرق شهورا أو سنوات، دون ضمان نتيجة واضحة.
وفي المقابل، لا توفر الجهات المعنية—رغم مسؤولياتها القانونية—الدعم الكافي، سواء من حيث التمويل أو المواكبة التقنية. وهكذا يتحول المالك إلى طرف مقيّد: لا هو قادر على الهدم، ولا على البناء، ولا حتى على الترميم بالشكل المطلوب.
الأخطر من ذلك، أن هذه الوضعية تفتح الباب أمام ممارسات مشبوهة، حيث يروج عن تدخل بعض اللوبيات العقارية التي تستغل هشاشة الوضع القانوني والتقني، من أجل الضغط على المالكين، أو دفعهم لبيع ممتلكاتهم بأثمنة بخسة، تمهيدا لإعادة استثمارها بطرق لا تراعي دائما البعد التراثي.
وفي مثل هذه الحالات، يشعر المالك بأن حقه في التصرف في ملكه يتآكل تدريجيا، وأنه أمام منظومة لا تحميه بالقدر الكافي.
أما على مستوى السلامة، فإن استمرار هذا الوضع يطرح مخاطر حقيقية، خاصة في ظل محدودية تدخل السلطة المحلية، التي تكتفي غالبا بإيفاد لجان معاينة، وإصدار توصيات ظرفية كإقامة حواجز أو تدعيمات مؤقتة، دون معالجة جذرية للمشكل.
إن التحدي اليوم لا يكمن في إلغاء مبدأ تصنيف البنايات، بل في إعادة التوازن بين حماية التراث وضمان حقوق المالكين وسلامة المواطنين. وهو ما يمر بالضرورة عبر مراجعة القانون رقم 22.80، وتحيينه ليتلاءم مع التحولات العمرانية والاقتصادية، مع إرساء آليات واضحة للتعويض والدعم، وتبسيط المساطر، وربط التصنيف بإلزامية الصيانة والتأهيل.
إن الحفاظ على التراث لا يجب أن يتحول إلى مبرر لتجميد حقوق المالكين أو ترك البنايات عرضة للتدهور والانهيار.
فبين نص قانوني يسعى إلى الحماية، وواقع يرزح تحت الإهمال والتعقيد، يظل المالك الحلقة الأضعف، محاصرا بين واجب الصيانة وغياب الدعم، وبين المنع القانوني وعجزه عن الاستثمار في ملكه.
فأي منطق هذا الذي يجعل بناية تصنف لحمايتها، ثم تترك لتنهار ببطء؟ وأي عدالة تبقي المالك مقيدا دون تمكينه، بينما تتآكل بنايته يوما بعد يوم؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام سياسة حقيقية لحماية التراث، أم أمام منظومة تفرغ التصنيف من معناه، وتحوّله إلى عبء على المالك، وخطر على الساكنة، وتشويه لجمالية المدينة؟
إن إنصاف المالك، وحماية الساكنة، والحفاظ على رونق الأحياء التاريخية، لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادة إصلاح حقيقية، تعيد التوازن بين الحق في الملكية وواجب صون التراث، حتى تظل المدينة حية بذاكرتها، لا مثقلة بأطلالها.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image