اختفاء 75 في المائة من الأصناف المحلية للحبوب… إنذار لا يكفي أن يُقال بنصف معطى

Media الخميس 21 مايو 2026 - 16:06 l عدد الزيارات : 72424

ورد ضمن مخرجات رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول التنوع البيولوجي، رقم لافت وخطير: اختفاء ما يقارب 75 في المائة من الأصناف المحلية للحبوب خلال العقود الأخيرة.

الرقم، في حد ذاته، صادم. وهو يستحق أن يفتح نقاشًا وطنيًا هادئًا وجديًا حول مصير بذورنا، وتحولات فلاحتنا، وفقدان جزء من الذاكرة الزراعية المغربية. لكن طريقة تقديمه تطرح بدورها أسئلة لا تقل أهمية عن الرقم نفسه. فقد ورد بصيغة “التقديرات تشير”، من دون تحديد واضح لمصدر هذه التقديرات، ولا للمدة الزمنية الدقيقة، ولا لطبيعة الأصناف المعنية.

هل نتحدث هنا عن القمح والشعير فقط؟ أم عن مجموع الحبوب التقليدية؟ هل يتعلق الأمر بأصناف كانت مزروعة فعليًا في الحقول المغربية ثم تراجعت؟ أم بأصناف محلية محفوظة أو مسجلة جينيًا؟ وهل الاختفاء يعني الاندثار الكامل، أم التراجع الكبير في الاستعمال الفلاحي؟ هذه ليست تفاصيل تقنية ثانوية. إنها أسئلة ضرورية حتى لا يتحول الرقم من معطى علمي إلى عنوان مثير.

لا أحد يجادل في أن المغرب فقد جزءًا من تنوعه الزراعي المحلي. ولا أحد ينكر أن تعميم أصناف تجارية، وتغير أنماط الإنتاج، وتراجع الفلاحة التقليدية، وضغط الجفاف، وتحوّل السوق، كلها عوامل ساهمت في إضعاف حضور البذور المحلية. لكن خطورة الموضوع تفرض دقة أكبر. فحين تقول مؤسسة دستورية إن 75 في المائة من الأصناف المحلية للحبوب اختفت، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف: متى؟ وأين؟ وبأي منهجية؟ وبناء على أي قاعدة بيانات؟

الأمر لا يتعلق بالتشكيك في المجلس، ولا بتبخيس أهمية رأيه. بالعكس، فالمجلس أصاب حين وضع التنوع البيولوجي في قلب النقاش حول الأمن الغذائي والمائي والترابي. وأصاب حين نبّه إلى خطورة تدهور النظم البيئية الفلاحية والغابوية والرعوية والواحية والبحرية. لكن قوة المؤسسة لا تقاس فقط بقدرتها على إطلاق التحذير، بل أيضًا بقدرتها على إحاطة الأرقام بسياقها العلمي والمعرفي.

لأن الرقم حين يكون ناقص الشرح، يفتح الباب أمام قراءتين متناقضتين.
الأولى قد تستعمله للتهويل، وكأن المغرب فقد فجأة ثلاثة أرباع ذاكرته الزراعية. والثانية قد تستغله للتقليل من خطورة الوضع، بحجة أن المعطى غير موثق بما يكفي في النص الموجز. وبين التهويل والتبخيس، تضيع القضية الأصلية: حماية البذور المحلية باعتبارها جزءًا من السيادة الغذائية، لا مجرد ملف بيئي معزول.

المفارقة أن المجلس يدعو إلى حكامة متجددة للتنوع البيولوجي، وهذا مطلب وجيه. لكنه في المثال نفسه يكشف إحدى أزمات الحكامة: ضعف المعطيات الدقيقة المتاحة للعموم. فالحكامة لا تقوم فقط على القوانين واللجان والاستراتيجيات، بل تقوم أولًا على المعلومة. من دون خرائط دقيقة للأصناف المحلية، ومن دون بنوك جينات مفتوحة للبحث، ومن دون تتبع علمي لتطور البذور الزراعية، سنبقى أمام تشخيصات قوية في اللغة، لكنها ناقصة في أدوات الإقناع.

المغرب يحتاج اليوم إلى جرد وطني شفاف لبذوره المحلية. يحتاج إلى معرفة ما تبقى، وما تراجع، وما اندثر، وما يمكن إنقاذه. كما يحتاج إلى حماية الفلاحين الصغار الذين حافظوا، عبر الأجيال، على جزء من هذا الرصيد الحي. فالبذور ليست مجرد مادة زراعية. إنها ذاكرة، ومعرفة، وتكيف مع المناخ، ورصيد استراتيجي في زمن الجفاف وتقلب الأسواق.

لذلك، فإن رقم 75 في المائة يجب ألا يمر مرور الكرام. لا باعتباره شعارًا بيئيًا، ولا باعتباره مادة للاستهلاك الإعلامي السريع. إنه إنذار يستحق التحقيق والتدقيق والتتبع. وإذا كان الرقم صحيحًا بهذا الحجم، فنحن أمام خسارة وطنية عميقة تستوجب خطة إنقاذ واضحة. وإذا كان يحتاج إلى ضبط وتفصيل، فالمطلوب من المؤسسات أن تقدم للرأي العام المعطيات الكاملة، حتى لا تبقى الحقيقة معلقة بين “التقديرات تشير” وواقع لا يعرفه المواطن بدقة.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image