كشف التقرير السنوي الأخير لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة عن استمرار ارتفاع المبادلات التجارية للمغرب خلال سنة 2025، سواء على مستوى الواردات أو الصادرات، في مؤشر يعكس حركية اقتصادية متواصلة وانفتاحا متزايدا على الأسواق الخارجية. غير أن هذا التطور الكمي لم ينجح في تقليص الاختلال البنيوي المرتبط بعجز الميزان التجاري، الذي ظل عند مستويات مرتفعة نسبيا رغم التحسن المسجل في بعض القطاعات الصناعية، وعلى رأسها صناعة السيارات.
وتؤكد المعطيات الواردة في التقرير أن الاقتصاد المغربي واصل خلال السنة الماضية الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد، خصوصا في ما يتعلق بالمواد الطاقية والتجهيزات الصناعية والمنتجات الغذائية وبعض المواد الأولية. ورغم التراجع النسبي في تقلبات الأسواق الدولية مقارنة بفترة ما بعد جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، فإن فاتورة الواردات ظلت مرتفعة بفعل استمرار الضغط على أسعار الطاقة والطلب الداخلي المتزايد.
في المقابل، سجلت الصادرات المغربية بدورها ارتفاعا ملحوظا، مدفوعة أساسا بأداء قطاعات صناعية موجهة للتصدير، خاصة صناعة السيارات، التي واصلت تعزيز موقعها كأول قطاع تصديري بالمملكة. كما ساهمت قطاعات أخرى، مثل الفوسفاط والصناعات الغذائية والطيران، في دعم رقم المعاملات الخارجية وتحسين بعض مؤشرات التغطية.
لكن، ورغم هذه الدينامية، فإن الفارق بين الواردات والصادرات ما يزال كبيرا، وهو ما يفسر استمرار العجز التجاري في مستويات مقلقة نسبيا. فالمشكل لا يرتبط فقط بارتفاع قيمة الواردات، بل أيضا بطبيعة البنية الاقتصادية الوطنية، التي ما تزال تعتمد على الخارج في التزود بعدد من المواد الاستراتيجية والطاقية والتكنولوجية.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات متجددة حول حدود النموذج التصديري الحالي، ومدى قدرته على خلق توازن حقيقي في المبادلات الخارجية. فنجاح بعض المهن الصناعية في اختراق الأسواق الدولية لا يخفي استمرار ضعف الاندماج الصناعي المحلي في عدد من القطاعات، حيث إن جزءا مهما من المواد والمكونات الصناعية يتم استيراده قبل إعادة تصديره في شكل منتجات مصنعة، ما يقلص من الأثر الصافي على الميزان التجاري.
كما يبرز التقرير بشكل غير مباشر هشاشة الاقتصاد الوطني أمام التحولات الخارجية، سواء المرتبطة بأسعار الطاقة أو اضطرابات سلاسل التوريد العالمية أو تباطؤ الطلب في الأسواق الأوروبية، التي تظل الشريك التجاري الأول للمغرب.
ويرى متابعون أن تقليص العجز التجاري لا يمكن أن يتحقق فقط عبر رفع حجم الصادرات، بل يتطلب أيضا تقوية الإنتاج المحلي، والرفع من نسبة الإدماج الصناعي، وتقليص التبعية الطاقية، إلى جانب تطوير صناعات ذات قيمة مضافة عالية قادرة على تعويض الواردات تدريجيا.
وفي ظل الرهانات الاقتصادية الحالية، يبدو أن الحفاظ على توازن المبادلات الخارجية سيظل أحد أكبر التحديات المطروحة أمام الاقتصاد المغربي، خاصة مع استمرار الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالقدرة الشرائية وكلفة الاستيراد وتأثيرها المباشر على الأسعار الداخلية








تعليقات
0