“الحكومة جات تبوس الشعب.. وعماتو”

Media الإثنين 25 مايو 2026 - 08:00 l عدد الزيارات : 52387

محمد رامي ramisimo@gmail.com

لا يحتاج المغاربة إلى أرقام كبيرة تتكرر في التصريحات، ولا إلى قرارات تقدم لهم باعتبارها إنقاذًا في آخر أيام العيد. يحتاجون إلى جواب بسيط: لماذا بقيت الأضاحي بعيدة عن قدرتهم الشرائية، رغم الحديث عن وفرة القطيع وتفوق العرض على الطلب؟

إن كانت الأضاحي موجودة بأثمان أقل في مريرت وأكلموس وخنيفرة، وإن كانت القيود المفروضة على نقلها نحو المدن الكبرى قد حالت دون وصولها إلى الأسواق التي تعاني الغلاء، فإن الحكومة مطالبة بتوضيح ما وقع. هل حاربت المضاربة فعلًا، أم عطلت انتقال العرض إلى حيث يحتاجه المواطن؟

فالمستهلك في الرباط أو البيضاء أو طنجة أو أكادير لا تهمه الشعارات. لا يعنيه أن يسمع عن ملاحقة «الشناقة» إذا كان سيقف في السوق أمام الأثمان نفسها التي أرهقته قبل القرار. ولا يعنيه أن تعلن الحكومة وفرة القطيع، بينما لا تصل هذه الوفرة إلى جيبه ولا إلى السوق التي يشتري منها.

المشهد، كما يراه المواطن اليوم، لا يحتاج إلى شرح طويل: حكومة قالت إنها تدخلت لحمايته من الغلاء، ثم بقي الغلاء قائمًا، وربما تعطلت معه الأضاحي الأرخص في الطريق إلى المدن.

وبلغة المغاربة التي لا تحتاج إلى بلاغ رسمي: الحكومة جات تبوس الشعب.. و عماتو.

كان على أصحاب رقم 40 مليون رأس أن يخرجوا، أمس الأحد، من مكاتبهم ومن لغة البلاغات، وأن يذهبوا إلى الأسواق حيث يبحث المواطن عن أضحية فلا يجد أمامه سوى أسعار تصفع قدرته الشرائية.

كان عليهم أن يزوروا أسواق الرباط والدار البيضاء وطنجة و أكادير والناظور، ثم ينتقلوا مثلا إلى مريرت و أكلموس وخنيفرة. هناك فقط كانوا سيفهمون لماذا لم يعد المواطن يصدق الكلام عن وفرة القطيع، ولا عن عرض يفوق الطلب، ولا عن إجراءات حكومية قيل إنها ستواجه المضاربة وتحمي الأسر.

الحكاية لم تعد مجرد شكاوى من غلاء الأسعار. هناك معطى ميداني يستحق جوابًا رسميًا سريعًا: في سوق الخميس بمريرت، ثم في سوق السبت بأكلموس، واليوم في سوق الأحد بخنيفرة، تتحدث شهادات محلية عن وجود الماشية بكثرة، وعن تراجع أثمانها بشكل لافت مقارنة بما يطلب من المواطنين في المدن الكبرى. لكن هذه الشهادات تتحدث، في الوقت نفسه، عن تدخل قوي للسلطات لمنع عمليات الشراء بالجملة ونقل الأضاحي نحو الناظور وطنجة والرباط والدار البيضاء وأكادير.

بل إن المعطيات نفسها تتحدث عن سدود أمنية على الطرق، لا تسمح بمرور الشاحنات المحملة بالمواشي ما لم يقدم صاحبها ما يثبت أنه كساب فعلي، وليس وسيطًا أو «شناقًا».

إن صح هذا المعطى، فنحن لا نكون أمام محاربة للمضاربة فقط، بل أمام سؤال أكبر بكثير: هل تحولت إجراءات الحكومة إلى عائق يحول دون وصول العرض المتوفر والرخيص نسبيًا إلى المدن التي يعاني فيها المواطنون من الأسعار المرتفعة؟

وزارة الفلاحة قدمت للمغاربة، قبل العيد، صورة مطمئنة. القطيع الوطني في حدود 40 مليون رأس، والعرض المخصص للأضاحي يفوق الطلب. كما قدمت جهة بني ملالخنيفرة باعتبارها إحدى أهم مناطق تموين السوق الوطنية، بقطيع يتجاوز أربعة ملايين رأس، بينها مئات الآلاف من الرؤوس الموجهة لعيد الأضحى.

إذا كانت هذه الأرقام صحيحة، وإذا كانت الأضاحي متوفرة فعلًا في أسواق مريرت وأكلموس وخنيفرة بأثمان منخفضة، فكيف يصل المواطن في الدار البيضاء أو الرباط أو طنجة إلى السوق فلا يجد سوى أثمان تفوق الخيال؟

هنا لا يكفي أن تقول الحكومة إن العرض موجود. العرض الذي يبقى في منطقة الإنتاج، بينما يمنع أو يعطل انتقاله إلى مناطق الاستهلاك، لا يخفض الأسعار في المدن. قد يجعل الثمن ينهار عند الكسّاب المحلي، وقد يترك المستهلك في المدن الكبرى تحت رحمة الغلاء في الوقت نفسه.

وهذه ليست معادلة معقدة. حين يكون الخروف رخيصًا في خنيفرة، وغاليًا في الدار البيضاء، فالمشكل يوجد في الطريق بين المدينتين: في النقل، وفي شروط الولوج إلى السوق، وفي طريقة التمييز بين المضارب والتاجر، وفي القرار الذي قد يمنع «الشناق» لكنه قد يمنع معه وصول الأضحية إلى المواطن.

الحكومة أعلنت، بقرار رئيسها رقم 3.26.26، منع شراء الأضاحي داخل السوق بهدف إعادة بيعها، ومنع افتعال رفع السعر، ومنع التخزين قصد خلق ندرة مصطنعة. كما أوجبت التصريح بهوية البائع وعدد الأضاحي ومصدرها قبل الولوج إلى السوق. لكن القرار المنشور لا يقول، في نصه، إن نقل الماشية بين المناطق ممنوع على كل من لا يحمل صفة «كساب فعلي»، ولا ينص على إغلاق الطريق أمام كل مشتر بالجملة ينقل الأضاحي نحو المدن.

وهنا يطرح الأمر سؤالًا قانونيًا واضحًا: إذا كانت السلطات تطبق فعلًا منعًا واسعًا لنقل الأضاحي من مناطق العرض نحو المدن الكبرى، فما هو السند الدقيق لهذا المنع؟ وهل يتعلق الأمر بتنفيذ حرفي للقرار الحكومي، أم بتأويل ميداني توسع في القيود إلى درجة قد تضر بالسوق بدل أن تصلحها؟

ثم إن مجلس المنافسة برر موافقته على تدخل الحكومة بوجود مضاربة وارتفاعات غير مبررة ومحاولات للتأثير المصطنع على العرض والطلب وخلق ندرة مصطنعة. لكن ماذا نسمي وضعًا توجد فيه الماشية في أسواق جهة منتجة، وبأسعار أقل، ثم لا تصل إلى المدن التي يئن فيها المواطن تحت الغلاء؟

أليس حجب انتقال العرض، إن ثبت، شكلًا آخر من أشكال فصل السوق عن بعضها؟
أليس من الطبيعي أن يؤدي منع تدفق الأضاحي إلى بقاء الأسعار مرتفعة حيث يرتفع الطلب؟
وأليس المواطن، في نهاية المطاف، هو من يؤدي فاتورة قرار لا يميز بما يكفي بين السمسار الذي يتلاعب بالثمن وبين التاجر الذي ينقل السلعة من منطقة الوفرة إلى منطقة الحاجة؟

محاربة «الشناقة» لا تكون بحبس الأضاحي في مناطقها. ولا تكون بوضع الكسّاب أمام سوق محلي قد ينخفض فيه الثمن بسبب ضعف التصريف، ثم ترك الأسر في المدن الكبرى تبحث عن خروف لم يصل إليها أو وصل بثمن لا يطاق.

المطلوب كان واضحًا: تتبع مسار الأضحية من الكسّاب إلى المستهلك، ضبط هوية البائع والمصدر، منع التحالفات التي ترفع السعر، مراقبة هامش الربح، وضمان انتقال العرض إلى حيث يوجد الطلب. أما أن تُقطع الطريق، حسب المعطيات المتداولة، على الشاحنات القادمة من مناطق التوفر، ثم يقال للمواطن إن السوق تعرف وفرة، فهذا أمر يحتاج إلى تفسير عاجل.

وللمفارقة، فإن الحكومة التي قالت إنها تدخلت لحماية القدرة الشرائية لم تضع سقفًا للأسعار. لم تحدد ثمنًا مرجعيًا للكيلوغرام الحي. لم تقل للكساب كم يمكن أن يبيع، ولا للمستهلك كيف يحمي نفسه من الثمن المبالغ فيه. ثم إذا صح أنها منعت أو عطلت نقل الأضاحي من المناطق التي تراجعت فيها الأسعار نحو المدن ذات الطلب المرتفع، فإن تدخلها يكون قد أصاب حركة السوق في الصميم، من دون أن يقدم للمواطن الحماية التي وعد بها.

النتيجة تبدو مؤلمة: كساب في خنيفرة قد يجد نفسه مضطرًا للبيع بثمن منخفض لأن الأضاحي لا تغادر المنطقة بسهولة، ومواطن في البيضاء أو الرباط أو طنجة يعجز عن الشراء لأن السعر بقي مرتفعًا. وبين الاثنين، حكومة تردد أن العرض يفوق الطلب، بينما لا تشرح لماذا لم تصل الوفرة إلى جيوب المغاربة.

هذا الوضع، إن أكدته السلطات أو ثبت ميدانيًا، يثير شبهة أن القرار الحكومي، بدل أن يفكك حلقات الغلاء، خلق ارتباكًا جديدًا في التوزيع. كما يطرح سؤالًا سياسيًا لا يقل أهمية: هل كان الهدف فعلًا تنزيل الأثمان على المستهلك، أم الاكتفاء بصورة أمنية وإدارية تقول إن الحكومة تطارد «الشناقة»؟

الناس لا يهمها أن ترى شاحنة موقوفة في الطريق بقدر ما يهمها أن تجد الأضحية بثمن يمكن احتماله. ولا يعنيها أن تسمع أن العرض موجود في الجبال والبوادي، بينما يصل الغلاء وحده إلى المدن.

يا أصحاب 40 مليون رأس، لا تحدثوا الناس عن الوفرة من بعيد. اذهبوا إلى مريرت وأكلموس وخنيفرة، ثم اسألوا: لماذا يبقى الثمن منخفضًا هناك ولا ينتقل أثره إلى المدن؟ ولماذا يمنع من يحمل الأضاحي نحو مناطق الطلب، إن كانت غايته البيع في أسواق مراقبة وبوثائق معلومة؟ ولماذا لم تصدر الحكومة بلاغًا واضحًا يشرح للمواطن وللكساب وللتاجر ما هو مسموح وما هو ممنوع؟

أما أن يُترك المواطن بين أرقام الوفرة ولهيب الأسعار، ويُترك الكسّاب أمام قطيع لا يستطيع تصريفه حيث يوجد الطلب، ثم يقال للجميع إن الإجراءات تحمي القدرة الشرائية، فذلك أقرب إلى العبث منه إلى تدبير سوق حساس في مناسبة تعني كل بيت مغربي.

وبالدارجة التي تختصر كثيرًا من الكلام: ڭال لك: «جا يحبو، عماه»!
جاؤوا، كما قالوا، ليحموا المواطن من المضاربة، فإذا بالسؤال اليوم هو: هل حموه من الغلاء، أم حَمَوا الغلاء من وصول الأضاحي الرخيصة إليه؟

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image