هل كانت الحكومة تحارب غلاء الأضاحي أم تحرسه؟.. ملف يستوجب التحقيق

rami الإثنين 25 مايو 2026 - 16:13 l عدد الزيارات : 138318

المغاربة لا يطلبون صدقة من الحكومة..هم يسألون عن حقهم في أثر دعم دفعوه من ضرائبهم

ramisimo@gmail.com

قبل البدء، أقولها جهراً: كان الله في عون الشعب المغلوب على أمره. كان الله في عون أرباب الأسر الذين يتقاضون السميك أو دونه، أو حتى أكثر منه بكثير. كان الله في عون كل أجير أو موظف أنهكته المصاريف القارة، ولم تترك له مجالاً للادخار، من هجمة الشناقة الحقيقيين ومن يحميهم.

ما يقع في سوق الأضاحي ليس خبراً عابراً ينتهي بانتهاء العيد. وليس حادثاً موسمياً يمكن دفنه تحت الكلام المكرر عن العرض والطلب، أو اختزاله في شماعة «الشناقة» التي أصبحت الحكومة تستحضرها كلما احترقت جيوب المغاربة.

حين تقول الحكومة إن لدينا ما يكفي من الأضاحي، وإن العرض يفوق الطلب بملايين الرؤوس، ثم يدخل المواطن إلى السوق فلا يجد سوى أسعار تحرق جيبه، «فالأمر لا يفسَّر بجملة محفوظة عن الشناقة».

وحين تكشف الوقائع أن الأضاحي كانت موجودة بأثمان أقل في مناطق معينة مثل  مريرت وأڭلموس وخنيفرة، بينما بقيت الأسعار مرتفعة في الدار البيضاء والرباط وطنجة وأكادير والناظور، مع حديث ميداني عن منع الشاحنات والمشترين من نقل الماشية نحو هذه المدن، فإن الملف يغادر دائرة سوء التدبير ويدخل دائرة الاشتباه.

وعندما ينزل الوالي إلى رحبة الغنم فتتراجع الأسعار في ذلك السوق بألف وألفي درهم  ثم تعود إلى الارتفاع بمجرد مغادرة الوالي السوق فإن ذلك يدل على أن المسرحية خيوطها محبوكة بإتقان والشبهة حاضرة بقوة…

اشتباه في أن الغلاء لم يكن مجرد نتيجة فوضى السوق.
اشتباه في أن قرارات وتدخلات على الأرض ربما ساعدت على إبقاء الأثمان مرتفعة.
واشتباه يستوجب التحقيق، لأن المغاربة لا يمكن أن يدفعوا فاتورة قرارات غامضة، ثم يطلب منهم الاكتفاء ببلاغات تطمئنهم إلى أن القطيع موجود.

الحكومة أعلنت من قبل أن العرض الوطني من الأغنام والماعز الموجهة للأضاحي يتراوح بين 8 و 9 ملايين رأس، مقابل طلب يتراوح بين 6 و 7 ملايين. وتحدثت عن قطيع وطني يقارب 40 مليون رأس.

 هذه ليست أرقام عرضتها أحزاب المعارضة، ولا تقديرات صفحات في مواقع التواصل الاجتماعي. إنها معطيات رسمية قدمتها الحكومة نفسها.

بمنطق السوق، كان يفترض أن تنخفض الأسعار و بمنطق المواطن، كان يفترض أن يلمس أثر الوفرة في جيبه.
أما الذي وقع فهو العكس تماماً: الأسعار ارتفعت، وبعض الأضاحي زادت بما بين 500 و 1000 درهم في الأيام الحاسمة قبل العيد.

فمن أوقف مفعول الوفرة؟ هذا هو السؤال الذي لا تريد الحكومة أن نطرحه فبالأحرى الإجابة عنه  فليست المشكلة أن الأضاحي غير موجودة، بل أن الأضاحي الرخيصة ربما مُنعت من الوصول إلى المواطن الذي يحتاجها.

لنتتبع الوقائع واحدة واحدة، لأن هذا الملف لم يعد يقبل رواية «الشناقة» الجاهزة، ولا يسمح للحكومة بالاختباء خلفها.…

في البداية، خرج رئيس الحكومة عزيز أخنوش يدعو الكسابة إلى إدخال الأضاحي إلى الأسواق وعدم الاحتفاظ بها في الحضائر، مطمئناً المغاربة إلى أن العرض وفير وأن السوق ستتكفل بتوفير الأضحية بثمن مناسب. كان ذلك اعترافاً واضحاً بأن ضخ القطيع هو الطريق الطبيعي لخفض الأسعار. لكن الحكومة نفسها ستعود، بعد أسابيع قليلة، لتقول عكس ذلك تقريباً.

 وزير الفلاحة أحمد البواري من جهته خرج علينا بخطاب آخر. دعا الكسابة إلى إخراج القطيع «شوية بشوية»، لأن الوفرة ستؤدي إلى انخفاض الثمن، وأضاف عبارته الكاشفة: «أنا بغيت الفلاح يربح شوية».

هنا لا نتحدث عن زلة لسان. نتحدث عن وزير مسؤول عن القطاع، يعرف أن ملايين الأسر تنتظر العيد تحت ضغط الغلاء، ثم يعلن أن انخفاض السعر مصدر قلق، وأن المطلوب هو تنظيم تدفق القطيع حتى لا يهبط الثمن.

الفلاح من حقه أن يربح. و الكساب من حقه أن يجد مقابلاً عادلاً لتعبه وكلفته. لكن الحكومة لم تكن تدبر صفقة خاصة بين بائع و مشترٍ. كانت تدبر مناسبة دينية واجتماعية تمس ملايين البيوت. وكانت تتصرف في سوق استفاد من دعم عمومي ضخم، دفعت كلفته خزينة الدولة من أموال المواطنين.

فوزي لقجع تحدث عن أكثر من 11 مليار درهم من الدعم الموجه إلى القطيع الوطني، وقال إن أثر هذا الدعم ينبغي أن يظهر على أسعار الأضاحي، وإن كلفة النقل لا يمكن اتخاذها ذريعة لرفع الثمن.

كلام واضح. لكن أين أثر هذه المليارات؟ هل ظهرت في أثمان اقتناء الأسر للأضاحي؟ هل خففت الضغط عن الآباء الذين وجدوا أنفسهم بين التنازل عن العيد أو الاستدانة؟ هل منعت الارتفاع الذي حدث في الأيام الأخيرة؟

الجواب يعرفه الناس في الأسواق: لا.

الأموال صُرفت باسم دعم القطيع، والوفرة أعلنت باسم طمأنة المواطن، ثم بقي المواطن أمام السعر المرتفع وحده. لذلك لم يعد مقبولاً أن تُسأل الأسر عن قدرتها على الشراء، بينما لا تُسأل الحكومة عن مصير أثر الدعم العمومي وعن المستفيد الحقيقي من سوق ظل غالياً رغم كل ما ضُخ فيه.

وعندما اشتد الغضب، خرجت الحكومة بقرار لتنظيم الأسواق ومحاربة المضاربة ومنع إعادة البيع والمزايدات المفتعلة والتخزين الرامي إلى خلق الندرة.

لكن الحكومة تأخرت فالمضاربة لم تولد قبل العيد بأيام و الوسطاء لم يهبطوا فجأة على الأسواق والغلاء لم يظهر في ليلة واحدة.

كانت الحكومة تعرف حجم العرض. وكانت تعرف حجم الدعم. وكانت تسمع يومياً شكاوى المواطنين. ومع ذلك، لم تتحرك إلا بعدما أصبح السعر واقعاً يفرض نفسه على الأسر.

حتى هنا، يمكن الحديث عن تقصير فادح. لكن ما نُقل من الميدان يفتح الباب على ما هو أخطر.

في مريرت، ثم في أڭلموس، ثم في خنيفرة،وفي مناطق أخرى كانت الأضاحي موجودة، وكانت الأسعار منخفضة مقارنة بما يجري في المدن الكبرى غير أن مشترين بالجملة ليسوا بالضرورة شناقة، واجهوا، بحسب المعطيات المتداولة ميدانياً، عراقيل في نقل الماشية نحو مدن تعرف طلباً كبيراً وأسعاراً مرتفعة. وتحدثت الشهادات عن سدود أمنية توقف الشاحنات وتمنع المرور ما لم يثبت صاحبها أنه كساب فعلي، وليس تاجراً أو وسيطاً.

إن صحت هذه الوقائع، فالحكومة مطالبة بجواب فوري، وليس بتفسير إداري بارد.

من أصدر تعليمات توقيف الشاحنات؟ هل صدرت أوامر بمنع نقل الأضاحي بين الأسواق؟ كم شاحنة أوقفت؟ وإلى أي وجهات كانت متجهة؟ وهل كانت السلطات تعرف أن وقف نقل الأضاحي الرخيصة سيبقي الأسعار مرتفعة في المدن الكبرى؟ ومن استفاد من بقاء هذا الفارق بين سوق الإنتاج وسوق الاستهلاك؟

منع المضاربة واجب. أما منع وصول العرض الرخيص إلى المواطن ففضيحة، مهما كان الشعار الذي غُلّفت به العملية.

فالشناق الذي يشتري ليرفع السعر ينبغي أن يُحاسب. لكن التاجر الذي يشتري من سوق منخفضة السعر وينقل إلى مدينة تحتاج العرض لا يمكن وضعه تلقائياً في خانة الجريمة، ثم انتظار أن تنهار الأسعار من تلقاء نفسها. 

حركة الماشية بين الأسواق هي التي تنقل الوفرة من مكانها إلى المستهلك. وحين تُوقف هذه الحركة، يبقى الرخص محاصراً في مناطق الإنتاج، ويبقى الغلاء سيد الموقف في المدن. وهذا، بالضبط، ما يطرح الشبهة.

الحكومة كانت تعرف أن العرض وفير و وزيرها قال صراحة إن طرحه دفعة واحدة سيخفض السعر و التدخل الرسمي  جاء بعد تفاقم الغلاء.
والوقائع الميدانية تشير إلى عرقلة انتقال أضاحٍ أرخص نحو مدن تعاني من الأسعار المرتفعة.

بعد هذا كله، هل يكفي أن نقول إن الحكومة فشلت؟

الفشل ثابت. ولا يحتاج إلى كثير نقاش. حكومة تملك العرض والدعم والسلطة والمعلومة، ثم تترك المواطن أمام الغلاء، هي حكومة فشلت في مهمتها.

لكن الملف لا ينبغي أن يتوقف عند الفشل. لأن هناك فرقاً بين حكومة أخفقت في خفض الأسعار، وحكومة اتخذت قرارات أو سمحت بممارسات كانت تعرف أنها ستحافظ على الأسعار مرتفعة.

نحن لا نملك، إلى اليوم، وثيقة تثبت اتفاقاً مع المضاربين أو تعليمات مكتوبة هدفها حماية الغلاء. ولذلك لن نصدر حكما نهائي بالتواطؤ. لكننا نملك ما يكفي لطلب التحقيق: تصريحات رسمية متناقضة، دعم بالمليارات لم يلمسه المواطن، ارتفاع الأسعار رغم الوفرة، وتدخلات ميدانية تحتاج إلى كشف حقيقتها وسندها والجهات التي أمرت بها.

هذا الملف لا يحتاج إلى بلاغ جديد من وزارة الفلاحة، ولا إلى خرجة إعلامية تكرر أرقام القطيع. يحتاج إلى تحقيق يحدد من أصدر تعليمات توقيف الشاحنات، ومن قرر توسيع مفهوم المضاربة ليشمل نقل الأضاحي بين الأسواق، ومن كان يعلم أن تعطيل هذا النقل سيبقي الأسعار مرتفعة في المدن.

فإذا كان ما وقع مجرد تقصير، وجب ترتيب المسؤوليات السياسية والإدارية. وإذا ثبت أن قرارات اتخذت مع العلم بأنها ستمنع انخفاض الأسعار أو تخدم مصالح فئات بعينها، فالأمر يخرج من دائرة الفشل إلى دائرة المساءلة عن الإضرار المتعمد بالمستهلك.

المغاربة لا يطلبون صدقة من الحكومة. هم يسألون عن حقهم في أثر دعم دفعوه من ضرائبهم، وعن أضاحٍ أعلنت الحكومة أنها متوفرة، وعن سعر ظل مرتفعاً رغم أن كل الأرقام كانت تقول إنه يجب أن ينخفض.

لقد أقنعتنا الحكومة بأن القطيع موجود و أقنعتنا بأن العرض يفوق الطلب و أقنعتنا أيضا بأنها دعمت القطاع بمليارات الدراهم.

الذي لم تستطع إقناعنا به هو: لماذا بقيت الأضحية غالية؟

والأخطر من ذلك: لماذا يبدو أن هناك من كان يخشى وصولها رخيصة إلى المغاربة؟

هذه ليست مؤامرة يتخيلها المواطن الغاضب. هذه شبهة صنعتها تصريحات الحكومة، وعمقتها قراراتها، ووضعتها وقائع الأسواق وسدود الطريق أمام الرأي العام.

حين تصبح الأضحية الرخيصة محاصرة في الطريق، والمواطن محاصراً أمام السعر المرتفع، فالصمت عن التحقيق يصبح هو الآخر شبهة.

فإما أن تكشف الحكومة تفاصيل ما حدث، وإما أن يظل السؤال يلاحقها: هل كانت تحارب الغلاء فعلاً، أم كانت تحرسه؟

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image