بعد سنوات من الرفض.. الجزائر تدخل عملياً مساراً تفاوضياً مرجعيته الحكم الذاتي في الصحراء المغربية

rawi الثلاثاء 26 مايو 2026 - 07:00 l عدد الزيارات : 27792

وكالات

في تحول يحمل أكثر من دلالة سياسية، أعلنت الجزائر ترحيبها بالمسار التفاوضي الجديد بشأن نزاع الصحراء المغربية، رغم أن هذا المسار يستند إلى قرار أممي وضع مبادرة الحكم الذاتي المغربية في صلب البحث عن حل سياسي نهائي وهو ماكانت ترفضه الجزائر بقوة.

وجاء الموقف على لسان وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال كلمة ألقاها، الأحد 24 ماي 2026 بالجزائر العاصمة، بمناسبة يوم إفريقيا. وقال عطاف إن بلاده تستقبل «إيجابياً» عملية التفاوض التي انطلقت مطلع السنة، تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.

كما عبّر عن أمل الجزائر في أن تنتهي المفاوضات إلى حل وفق قرارات الأمم المتحدة، بما فيها القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025. وهو قرار وصفته وكالتا «رويترز» و«أسوشيتد برس» بأنه يدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية، ويعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق للنزاع.

لقد حاول عطاف، في كلمته، الحفاظ على الخطاب الجزائري التقليدي. فكرر أن النزاع يخص المغرب وجبهة البوليساريو، وقدم الجزائر باعتبارها «دولة مجاورة» و«ملاحظة» في العملية السياسية، على غرار موريتانيا.

غير أن هذا التوصيف لا يحجب المعطى السياسي الأساسي. الجزائر أعلنت مشاركتها في عملية تفاوضية انطلقت بعد اعتماد القرار 2797، ورحبت بها علناً، كما أحالت بنفسها على القرار الأممي الأخير بوصفه جزءاً من مرجعية التسوية.

تكمن أهمية تصريح عطاف في طبيعة القرار الذي أحال عليه. فقرار مجلس الأمن رقم 2797 لم يكتفِ بتمديد ولاية بعثة «المينورسو» لسنة إضافية، بل نقل النقاش السياسي إلى مستوى جديد، حين أدرج مبادرة الحكم الذاتي المغربية ضمن أساس التفاوض بشأن الحل النهائي.

ووفق ما أوردته وكالة «أسوشيتد برس»، فإن القرار يمثل أقوى دعم أممي حتى الآن للمقترح المغربي، كما أنه لم يتضمن الإشارة إلى استفتاء يتضمن خيار الاستقلال، وهو الطرح الذي ظلت الجزائر والبوليساريو تدافعان عنه لسنوات.

أما وكالة «رويترز»، فقد أكدت أن القرار يرى في الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية حلاً يمكن أن يكون «الأكثر قابلية للتطبيق» لإنهاء نزاع طال أمده قرابة نصف قرن.

بهذا المعنى، لم تعد المفاوضات تدور حول البحث عن نقطة بداية جديدة، وإنما حول مسار باتت فيه المبادرة المغربية مرجعية عملية للحل السياسي المدعوم دولياً.

الموقف الجديد يبرز تناقضاً واضحاً في الخطاب الجزائري. ففي نونبر 2025، وبعد صدور القرار 2797، قال أحمد عطاف إن مجلس الأمن لم يعتمد ما وصفه بـ«الأطروحات المغربية»، معتبراً أن الملف لا يزال مفتوحاً وأن القرار لم يمنح المغرب ما كان يسعى إليه.

واليوم، يعود الوزير نفسه ليعلن أن الجزائر تأمل نجاح مفاوضات تستند، ضمن مرجعياتها، إلى القرار ذاته. كما تقبل بلاده المشاركة في العملية السياسية المرتبطة بتنفيذه، بعدما كانت ترفض الانخراط في صيغة تُظهرها طرفاً معنياً بالنزاع.

هذا التحول لا يعني أن الجزائر أعلنت رسمياً قبولها بمبادرة الحكم الذاتي، كما لا يعني أنها تخلت صراحة عن دعم البوليساريو. لكنه يكشف أن هامش المناورة الجزائرية أصبح أضيق، بعدما تحولت المبادرة المغربية من مقترح ترفضه الجزائر إلى مرجعية حاضرة في قرار مجلس الأمن وفي المفاوضات التي قبلت المشاركة فيها.

اختارت الجزائر تقديم مشاركتها باعتبارها حضوراً بصفة «ملاحظة»، في محاولة لتجنب الاعتراف بدورها المباشر في النزاع. غير أن حضورها إلى جانب المغرب والبوليساريو وموريتانيا داخل مشاورات مرتبطة بقرار مجلس الأمن يضعها عملياً في قلب المسار السياسي.

كما أن ترحيبها بالمفاوضات تحت رعاية أمريكية وأممية يكتسي دلالة إضافية، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة دعمت بوضوح مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وكانت صاحبة مشروع القرار الأممي الذي اعتمده مجلس الأمن بأغلبية 11 صوتاً، مع امتناع روسيا والصين وباكستان، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت.

وتكشف هذه المعطيات أن الجزائر تسعى إلى التكيف مع التحول الدولي من دون الإعلان عن تراجع رسمي في موقفها. فهي تتمسك بمفردات تقرير المصير ودور «الملاحِظ»، بينما تدخل عملياً في مسار تفاوضي لم تعد أرضيته منفصلة عن المبادرة المغربية.

منذ تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، عملت الجزائر على مواجهتها سياسياً ودبلوماسياً. غير أن التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن 2797، دفعت الملف نحو مرحلة مختلفة.

فالمبادرة المغربية باتت حاضرة داخل القرار الأممي، وتحظى بدعم متزايد من قوى دولية مؤثرة، كما أصبحت مرتبطة مباشرة بالمباحثات التي تشارك فيها الجزائر.

وعليه، فإن تصريح أحمد عطاف لا يشكل اعترافاً جزائرياً صريحاً بالحكم الذاتي. لكنه يمثل إقراراً عملياً بأن أي مفاوضات مقبلة بشأن الصحراء المغربية ستجري داخل إطار أصبح فيه المقترح المغربي قاعدة أساسية للحل السياسي.

بعد سنوات من الرفض والتشكيك، تجد الجزائر نفسها اليوم أمام مسار تفاوضي جديد. مسار لم تعد تستطيع تجاهل مرجعيته، ولا إيقاف التحول الذي أحدثه القرار الأممي في موازين الملف.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image