لم يحتج المغاربة، وهم يتابعون ما جرى في منطقة أغبالو نكردوس بإقليم الرشيدية، إلى كثير من التفاصيل كي يشعروا بفظاعة المشهد. امرأة تفارق الحياة، وأسرتها تحمل جثمانها إلى المقبرة ليوارى الثرى، قبل أن تصطدم مراسيم الدفن بخلاف حول الأرض، وتنتهي الواقعة، وفق ما جرى تداوله ونشره، بإعادة الجثمان إلى منزل العائلة.
المشهد كان كافياً ليشعل موجة واسعة من الغضب والاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي. فالناس قد يختلفون حول الأرض والحدود والحقوق والوثائق والمساطر، لكن كثيرين اعتبروا أن هناك خطاً إنسانياً وأخلاقياً لا يجوز تجاوزه: حرمة الميت وحقه في الدفن بعيداً عن صراعات الأحياء.
وبحسب المعطيات المنشورة، فإن الواقعة تعود إلى نزاع قائم بين تغنبوت وآيت عبد الصمد حول قطعة أرض سلالية توجد بها مقبرة محلية. وخلال محاولة دفن السيدة، تحول الخلاف إلى مانع حال دون إتمام الجنازة في ظروفها الطبيعية، وسط أجواء مشحونة واحتقان دفع أفراداً من العائلة وساكنة المنطقة إلى الاحتجاج والمطالبة بالتدخل.
على منصات التواصل، لم يتوقف التفاعل عند حدود التعاطف مع أسرة الراحلة. فقد طغى سؤال مؤلم على التعليقات والتدوينات: كيف يمكن أن يبلغ الخلاف بين الناس درجة يصبح معها جثمان امرأة موضوع شد وجذب؟ وكيف يمكن لعائلة منكوبة بفقدان أحد أفرادها أن تُجبر على تحمل صدمة إضافية، وهي ترى دفن فقيدتها يتعطل بسبب نزاع كان يفترض أن يجد طريقه إلى القانون والمؤسسات؟
كثير من المتفاعلين رأوا في الواقعة سقوطاً مؤلماً لقيم التضامن والرحمة التي ظلت تحيط بمراسم الموت في المجتمع المغربي. فالجنازة، في الوعي الجماعي، لحظة تصمت فيها الخصومات، وتتراجع فيها الحسابات، ويتقدم واجب المواساة والإكرام. أما أن يتحول قبر إلى ساحة نزاع، وأن تُدفع أسرة مكلومة إلى العودة بجثمان فقيدتها، فذلك ما اعتبره رواد مواقع التواصل جرحاً لا يمس العائلة وحدها، وإنما يطال صورة المجتمع بأكمله.
الغضب الرقمي اتجه أيضاً نحو مساءلة السلطات المحلية والجهات المختصة. فالنزاعات حول الأراضي السلالية ليست جديدة، كما أن تعقيداتها القانونية والاجتماعية معروفة في عدد من المناطق. غير أن وصول نزاع من هذا النوع إلى لحظة منع دفن إنسانة يطرح تساؤلات حادة بشأن التدخل الاستباقي، وآليات الوساطة، ومسؤولية حماية السكينة العامة وصون كرامة الموتى.
ولئن حاولت بعض الروايات تفسير ما جرى بوجود خلاف قديم حول ملكية الأرض واستعمالها، فإن ذلك لم يخفف من وقع الحادثة لدى الرأي العام الرقمي. فبالنسبة إلى كثير من المعلقين، لا يمكن لأي نزاع، مهما بلغت حدته، أن يبرر تعطيل جنازة أو جعل أسرة تعيش ساعات إضافية من الألم والإهانة.
حتى الآن، ينتظر الرأي العام توضيحاً رسمياً يجيب عن الأسئلة التي خلفتها الواقعة: هل دُفنت السيدة بعد ذلك؟ من تحمل مسؤولية منع الدفن؟ وما الإجراءات التي اتخذت حتى لا تتكرر مشاهد مماثلة؟
حادثة أغبالو نكردوس لم تتحول إلى موضوع متداول لأنها غريبة فقط، بل لأنها أصابت المغاربة في قيمة شديدة الحساسية: كرامة الإنسان بعد الموت. فالراحلة لم تكن طرفاً في النزاع، وعائلتها لم تكن تحتاج في لحظة الفقد إلى معركة جديدة. كانت تحتاج فقط إلى أن تدفن فقيدتها في سلام.








تعليقات
0